كن أمامي يا إمامي. بقلم الشيخ: موسى أبو جليدان

  • بتاريخ : 2013-04-14
  • مرات القراءة : 1257
كن أمامي يا إمامي. بقلم الشيخ: موسى أبو جليدان

إذا كنت إِمَامي فَكُن أَمَامِي

الحمد لله وكفى، وصلاة وتسليماً على نبيه الذي اصطفى، وبعد:

"إنما يحسن الاختيار لغيره من يحسن الاختيار لنفسه"

      إشارة تربوية بليغة هتف بها فقيه مصر عبد الله بن وهب؛ ليؤسس قاعدة أصيلة يرتكز عليها الدعاة الطامحون في توجيه الغير، وغرس بذور الخير، فالتربية بالسمت والآداب أبلغ من تأليف كتاب، والصفات أقوى أثراً من الكلمات، والأخلاق أثبت من الأوراق، ولقد صدح أحد الصالحين فقال: ( من لا يعجبك لحظه، لن ينفعك لفظه ).

     إن المربين في حقل الدعوة لابد أن يكونوا نماذج تحتذى، وأسوات تقتدى، وأن تنزل أصداء ورعهم برداً وسلاماً وهداية على الأجيال الناشئة؛ ليجعلوا منهم قوة عارمة تجمع الشتات، وتحيي الموات، وتنير الظلمات، ولابن عطاء السكندري حكمة ترشح أدباً وتزكية حين يقول:

( تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، فحيث حصل التنوير وصل التعبير )

، فمتى دعا المربي إلى خير وجدته إليه سباقاُ، ومتى نهى عن شر ألفيته أشد إعراضاً وفراقاً، فإذا أردت أن تكون إمامي فكن أمامي، وفي المقابل:

يأيها الرجل المعلم غيره              هلا لنفسك كان ذا التعليم

لا تنه عن خلق وتأتي مثله            عار عليك إذا فعلت عظيم

كيف تقنع أخاك بالحرص على صلاة الفجر وأنت لك في النوم غطيط ؟، وكيف تثير فيه الهمة وقد غرقت في الخمول والتثبيط ؟، أليس من الإسفاف أن تحثه على المشاركة في المسيرات، ودفع الاشتراكات، وتفعيل الأنشطة والواجبات، وأنت في استنكاف وسبات ؟، فأين أنت من قول الله عز وجل: { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون }.

     إن انتصاب القدوة لمن أوجب ما تحرص عليه الجماعة الساعية للتمكين، وإقامة الدين، ولذا جاء النداء السامي للجماعة المسلمة الأولى بقوله سبحانه : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة }، فالذين يدعون بأقوالهم ويستطيعون التوجيه كثير، ولكن أين من يدعون بأفعالهم، ويرى فيهم المتربي القدوة الحسنة؟، وهل يتصدر ركب الدعوة اليوم أمثال محمد بن واسع – رحمه الله- ؟!، قال عنه جعفر بن سليمان : ( كنت إذا وجدت من قلبي قسوة غدوت فنظرت إلى محمد بن واسع )، هكذا نظرت !! فالأدب والقدوة والسلوك، أرسخ  من القول المحبوك، وأقوى بريقاً من النظم المسبوك.

    قال ابن الجوزي في صيد الخاطر: (ولقيت عبدالوهاب الأنماطي فكان على قانون السلف لم يُسمع في مجلسه غيبة ، ولا كان يطلب أجراً على سماع الحديث ، وكنت إذا قرأت عليه أحاديث الرقاق بكى واتصل بكاؤه ، وكان وأنا صغير السن حينئذ يعمل بكاؤه في قلبي، كان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل .
ولقيت أبا منصور الجواليقي فكان كثير الصمت ، شديد التحري فيما يقول متقناً ، محققاً وربما سئل عن مسألة ظاهرة قد يبادر بجوابها بعض غلمانه فيتوقف فيها حتى يتيقن ، وكان كثير الصوم والصمت ، فانتفعت برؤية هذين الرجلين أكثر من انتفاعي بغيرهما ففهمت من هذه الحالة أن الدليل بالفعل أرشَد من الدليل بالقول . 
       ولذا قال الحكماء: ( حال رجل في ألف رجل أبلغ من مقال ألف رجل في رجل )

أخي المربي: أكرم بالقدوة الحسنة يوم يأتي وفي صحيفته كل من لاحظوه وقلدوه واتبعوه، ويا حسرة من كان رائد سوء يحمل -عياذاً بالله- أوزاره وأوزارهم، يقول أحد أصحاب الإمام أحمد- رحمه الله- : (صحبت الإمام أحمد تسعة عشر عاماً، تعلمت الأدب في ثمانية عشر عاماً، والعلم  في العام التاسع عشر، وليتني قضيتها كلها في الأدب )،  ولقد كان يحضر مجلس الإمام أحمد خمسة ألاف طالب، يكتب منهم خمسمائة ، والآخرون يسمعون ويتعلمون من سمته وخلقه وأدبه، حتى قال عنه تلميذه إبراهيم الحربي: ( صحبت الإمام أحمد عشرين عاماً، صيفاً وشتاءً، حراً وبرداً، ليلاً ونهاراً، فما رأيته في يوم إلا وهو زائد عن سابقه ).

    هذا السمت هو الذي يسري في الاجيال فيملؤها إصراراً، ويسكب في النفوس عزماً مواراً، ويغدق في القلوب يقيناً يحيل الفرد جيشاً جراراً،  ولذا قال الشافعي –رحمه الله- لمعلم أولاد الرشيد: ( ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاح نفسك، فإن أعنتهم معقودة بيدك، فالحسن عندهم ما تستحسنته، والقبيح عندهم ما تستقبحته ).

    ولقد كان النبي –صلى الله عليه وسلم - يربي أصحابه بالأفعال أكثر من الأقوال، كقوله –صلى الله عليه وسلم - : " خذوا عني  مناسككم "، " صلوا كما رأيتموني أصلي "، " خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهله ".

  أخي المربي:

المرحلة القادمة أنت فارسها، والتغيير الزاحف أنت رائده، ولقد أهدى إليك المرشد الإمام حسن البنا نصيحة تعينك على العبء الثقيل الذي أنيط بك حين قال: ( كونوا عباداً قبل أن تكونوا قواداً ، تصل بكم العبادة إلى أعظم قيادة )، وهذا يتأتي بانتصاب الرواحل، قدوة للشباب في كل المراحل، حتى تعلو كلمة الله وتسود، وتحطم جميع القيود، وترجع خلافتنا وتعود، وما ذلك على الله بعزيز.

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .