هزيمة جالوت وانتصار طالوت في فلسطين كان بالشحيح من المال، والقليل من الرجال المتسلحين بالدين

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 709
هزيمة جالوت وانتصار طالوت في فلسطين كان بالشحيح من المال، والقليل من الرجال المتسلحين بالدين

من وحي آية

د. يونس الأسطل

 

( هزيمة جالوت وانتصار طالوت في فلسطين كان بالشحيح من المال، والقليل من الرجال المتسلحين بالدين )

 

]  وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ   [

(البقرة: 247 )

إن السبب الظاهر لتأجيل الإعلان عن ميلاد حكومة جديدة، وفقاً لاتفاق المصالحة في القاهرة، هو أن أبا مازن متمسكٌ بسلام فياض مرشحاً أَوَّلَ وثانياً وثالثاً لرئاسة الحكومة، فهو البديل الأول والأخير عند حضرته، وهذا يذكرنا بشعاره: أن خياره هو المفاوضات مع الاحتلال، ولا بديل عن المفاوضات إلا المفاوضات، فالحياة كلُّها مفاوضات، ولو لم نَنَلْ من العدو إلا المزيد من الضغط والتنازلات، وكأنَّ الهدف منها هو البقاء على قيد الحياة، وعدم الوصول إلى نَعْيِ السلطة، والسقوط الذريع لنهج المساومة.

وهنا نتساءل عن السرِّ في التشبث بفريد عصره، ووحيد دهره، وكأنه قد ندر أن يجود الزمان بمثله، وقد عَقِمَتِ النساء أن تلد من يدانيه، فضلاً عن أن يضاهيه؟!.

يقولون في الإجابة على هذا السؤال: إنه الوجه المفضَّل، بل المقبول عند الدول المانحة، فقد رضي عنه اليهود والنصارى، ولئن لم يكن على رأس ما يسمى بحكومة الكفاءات فلسوف يستمر الحصار، ويتكرس الجوع، وتصبح خطوة المصالحة قفزة في الهواء، أو صعوداً على الشجرة من جديد.

إنه من المعلوم أن أموال الدول المانحة لا تفي بشطر الموازنة، بل لا أكون مبالغاً إذا قلت: إن الشعب الفلسطيني لا يفيد منها شيئاً، فهي رواتب الأجهزة الأمنية التي تُحْصِي عليه أنفاسَه تعاوناً مع الاحتلال، لذلك فإن سلام فياض يعتمد على بذخه في الإنفاق على المديونية، وقد أقرَّ بلسانه أن ديون الشعب في عهده الميمون قد بلغت ملياري دولار، وذلك بعد الحسم في القطاع في وسط عام 2007م، بعد أن بلغت (الخمسة بلدي) ذروتها في إزهاق الأرواح البريئة، وإحالة الحياة إلى جحيم لا يطاق، وقد انضاف ذلك القرض إلى نظيره قبل الحسم؛ ليصبح المجموع أربعة مليارات بهدف إغراقنا في المديونية، والوصول إلى اليوم الذي نجوع فيه لرغيف الخبز الجاف، فيجري تصفية القضية والثوابت في مقابل رمق الحياة، حتى إذا لم يَبْقَ لدينا ما نقايض عليه؛ لم يكن لنا بُدٌّ من الرحيل عن الأرض، أو عن الحياة كلها.

أما هذه الآية فتحدثنا عن تلكؤ بني إسرائيل في الترحيب بقيادة طالوت عليه السلام، مع أن الله جل وعلا هو الذي بعثه ملكاً عليهم بشهادة نبيِّهم عليه الصلاة والسلام، وبناء على طلبهم، وقد كانت حجتهم في رفضه أو لَفْظِهِ هو أنه ليس من نسل الممثل الشرعي والوحيد لبني إسرائيل، فقد جرت العادة أن تكون القيادة في سِبْطٍ بعينه منهم، فلما لم يكن طالوت من ذلك السبط لم يكن جديراً بالقيادة، حتى لو كان اختياراً لله.

 ويُضاف إلى ذلك سببٌ آخر، هو أنه رجلٌ مستور الحال، فلم يُؤْتَ سعةً من المال، فكيف يمكن أن يتدبر أمر المال أثناء القتال؟!، وماذا يصنع لو أصاب الجيشَ شيءٌ من الظمأ والنصب والمخمصة؟!، أليس القادة الأثرياء الأغنياء أصحاب الدُّثُور أحقَّ بالملك منه؟!.

 هل يختلف منطق بني إسرائيل هذا عن منطق السلطة ورئيسها في أن حماس ورجالها ليسوا عضواً في منظمة التحرير، وهي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فكيف يكونون في الحكومة، فضلاً عن أن يكون مرشحهم من الكفاءات الوطنية هو رئيسها؟!.

ثم كيف يمكن لذلك الرئيس أن يتدبر الرواتب والأموال، ما دامت الدول المانحة لن تتعامل مع غير فياض، وما دام الاحتلال يهدد بحجب عائدات الجمارك والضرائب عن الحكومة المرتقبة ما لم يكن فياض ممتطياً لِمَتْنِها، حاكماً بأمره فيها؟!، وهل تقبل البنوك العالمية، أو الأنظمة الإقليمية أو الأوروبية، أن تُقْرِضَنا شيئاً، ما لم يكن القابضَ لها هو الرمز الذي لا يُبارى في الحكم والإدارة والسياسة؟!!.

وهنا نتساءل عن النتيجة التي آل إليها بنو إسرائيل بقيادة طالوت؟.

إن القلة التي قَبِلَتْ قيادته قد تساقط أكثرها عند أول اختبار، عندما قال لهم: إن الله مبتليكم بنهر، فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني؛ إلا من اغترف غرفة بيده، فشربوا منه إلا قليلاً منهم، ثم إن أولئك القليل بعد اجتياز النَّهر نظروا في عددهم، فقالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، فانبرى القلة منهم ممن يوقنون بلقاء الله، وأن العيش عيش الآخرة، وأن هذه الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فقالوا: "كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله، والله مع الصابرين"، ثم تضرعوا إلى الله، واستغاثوا به، وسألوه الصبر والثبات والنصر، فهزموهم بإذن الله، وتحررت فلسطين من دنس أولئك الجبَّارين.

فهل ضَرَّ طالوت أنه لم يُؤْتَ سعةً من المال، ما دام قد أوتي بسطة في العلم والجسم؟!، وهل المال أغلى من الكرامة والعزة والحرية؟!، وإلى متى سيظل الذين بَدَّلوا نعمة الله جحوداً يُحِلُّونَ قومهم دار البوار بقبول الإملاءات في مقابل دريهمات؟!.

ألم يكن الصحابة يوم بدرٍ جياعاً، فأطعمهم الله، عُراةً فكساهم الله، حُفاةً فحملهم الله؟!، ألم يَجُعِ الصحابة يوم الخندق حتى ربط أكثرهم حجراً على بطنه، بينما ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرين؟!.

ألم يجوعوا يوم الحديبية، فابتلاهم الله بشيءٍ من الصيد تناله أيديهم ورماحهم، لكنهم كانوا مُحْرِمين لا يحل لهم الصيد، ففازوا في الاختبار، ولم يكونوا كأصحاب السبت أولياءِ النعمة لسلام فياض وزبائنه؛ إذ اعتدوا في السبت، واصطادوا السمك، فقيل لهم: كونوا قردة خاسئين.

ألم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام يوم خيبر أن يَكْفَؤُوا القُدُور، بعد أن نضج اللحم؛ لمَّا علم أنها لحوم الحُمُر الأهلية؟!.

ألم  يقلْ لِلْبَكَّائين يوم تبوك: لا أجد ما أحملكم عليه، فبكوا حَزَناً ألَّا يجدوا ما يتجهزون به لقتال الروم؟!.

وفي المقابل ألم يَنْعَ على أهل بدرٍ أن يأخذوا الفداء من الأسرى قبل أن يُثْخِنوا في الأرض؟!، بل أليس قد أنزل بهم القرح يوم أُحُدٍ لمَّا صار فيهم من يريد الدنيا؟!، والأسئلة تطول، غير أن ما يجب التأكيد عليه هو أن المال – على أهميته – في ذيل المقاصد الشرعية، وأنكم إن خفتم عَيْلَةً فسوف يغنيكم الله من فضله، فابتغوا عند الله الرزق، واعبدوه، واشكروا له، فإنه الرزاق ذو القوة المتين.

 

ربنا افتح بيننا وبين فتح بالحق، وأنت خير الفاتحين

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .