من أيلول الأسود إلى استحقاق أيلول أربعون عاماً من المذابح، والقيادة تنحدر دون كوابح

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 852
من أيلول الأسود إلى استحقاق أيلول أربعون عاماً من المذابح، والقيادة تنحدر دون كوابح

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( من أيلول الأسود إلى استحقاق أيلول أربعون عاماً من المذابح، والقيادة تنحدر دون كوابح)

 

]  وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ . أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ[

(غافر: 36، 37 )

بدأت قناعة المتفردين بقرارات منظمة التحرير الفلسطينية بالولوج إلى نفق الحلول السلمية منذ أوائل السبعينات من القرن الماضي، وقد تجسَّد ذلك في العبث بِعَشْر موادَّ من ميثاق المنظمة، وبالأخص المادة التاسعة التي تنص على أن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين؛ فقد جرى شطب هذه المادة عملياً بطمس كلمة واحدة منها؛ إنها لفظة (المُسَلَّح)؛ ليتيحوا لأنفسهم أن يستبدلوا الفنادق بالخنادق، وأن يتبدلوا ربطة العنق والحذاء البارق بالبنادق، فلما  فعلوا ذلك أنعم عليهم المُنَصَّبون زعماء في شراذم الأقطار العربية بلقب الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وقد يكون من المفيد أن أذكر أنه قد جرى بين يدي ذلك مذابح أيلول الأسود عام 1970م، حين اسْتُدْرِجَ الفدائيون إلى أحراش جرش، ليسهل قتل عشرين ألفاً منهم قصفاً بالطائرات، أو دَكَّاً بالمدفعية، حتى إذا فَرَّ فُلُولُهم إلى لبنان تَوَلَّاهم الجيش السوري الذي كان مهيمناً على لبنان، فيما اشتهر بمذابح تَلِّ الزعتر في عام 1976م، غير أنه لم يكن ميسوراً استئصال شأفتهم؛ بحكم المخيمات الفلسطينية الولودة، لذلك فقد تأخر الحديث عن المؤتمر الدولي للسلام إلى ما بعد مذابح صبرا وشاتيلا، وتمزيق الثورة كلَّ ممزق في الدول العربية النائية عن فلسطين، بعد حرب الإبادة التي عَمَّرت ثلاثة أشهر عام 1982م.

جاء عام 1988م ليحتضن الإعلان عن قيام دولة فلسطينية على صفحات الجرائد من الجزائر؛ ولتبدأ مرحلة التفاوض العلني مع الاحتلال، مع أن المفاوضات السرية تعود إلى ما قبل مؤتمر فاس للقمة العربية التي أنعمت على ياسر عرفات بأنه الممثل الشرعي والوحيد.

ومن ثَمَّ دخلنا إلى مفاوضات صورية في مدريد للتغطية على اتفاقات سرية فردية في أوسلو، وما أدراك ما أوسلو؟!، إنها أشبه بمركبة كبيرة قد فقدت كَوَابِحَها وهي تسير في منحدرٍ متعرج يُفضي إلى وادٍ سحيق، قعره يُدعى استحقاق أيلول!!.

فمن أيلول الأسود إلى أيلول المُكْفَهِرِّ أربعون عاماً من التيه والمذابح، جرى فيها تصفية القضية؛ ليكون أقصى التطلعات أن نُقَبِّلَ رؤوس الصهاينة، أو أيَّ مكانٍ في أجسادهم، لِيَقْبَلوا بسهرات المفاوضات، فهي بالنسبة إلى تجار القضية كالماء للأسماك، أو الهواء للأحياء، ولا حرج عندهم أن تفشل أوسلو، فنلجأ إلى واي بلانتيشن، حتى إذا أصبحت سراباً تَعَلَّقْنا بتفاهات تِينت، ثم تقرير ميتشل، فلما لم نجد فيها بلالاً للظمأ القاتل ابتهجنا لخارطة الطريق، حتى إذا أَلْفَينا أنفسنا قد ضللنا الطريق باركنا وثيقة جنيف، وركضنا إلى أنابُولس، ومن بعدها إلى باريس، واليوم قد مضى علينا عام أو يزيد ونحن نرقب أيلول؛ لعل الاجتماع السنوي في سبتمبر للجمعية العامة للأمم المتحدة يَمُنُّ علينا بالاعتراف بنا كعضوٍ فيها، وهو أشبه ما يكون بقرار محكمةٍ يفتقر إلى القوة التنفيذية؛ لانتزاع الحقوق من مغتصبيها، وردَّها إلى أهلها المستضعفين، وهيهات أن يظفروا بذلك قبل الممات.

والآن أعود إلى فرعون الذي بلغ من غُروره وتفرده أن يَدَّعِيَ الألوهية على الأقباط، وأنه الربُّ الأعلى للمصريين، حين استخفَّ قومه فأطاعوه، لكنه صُدِمَ بسيدنا موسى، ومعه أخوه هارون نبياً، يقولان: إنا رسول ربِّ العالمين، أنْ أرْسل معنا بني إسرائيل، فراح يحاجج موسى عليه السلام في ربِّه، كما حاجَّ النمرود إبراهيم في ربِّه؛ بسبب أن آتاه الله الملك، وقد كان لفرعون ملك مصر، وكانت التُّرَعُ المتفرعة من النيل تجري من تحته، وبعد أن هُزِمَ في الحجة تخوفَّ أن يُسْهِمَ ذلك في إسلامهم مع موسى لله رب العالمين، فقال لهم: يا أيها الملأ ما علمت لكم من إلهٍ غيري، ولكنْ لا بُدَّ من التحقق من صحة ما يدعيه موسى من أن للسموات والأرض، وللمشرق والمغرب، وللأولين والآخرين رَبَّاً آخر، فَالْتفتَ إلى وزيره هامان، وأمره أن يضرب الطوب من الطين، ثم يوقد عليه ناراً؛ حتى يَشْتَدَّ، ثم يشرع في بناء صرحٍ يبلغ عنان السماء، ومن ثَمَّ يرقى فرعون فيه، حتى ينظر ما إذا كان هناك إلهٌ لموسى في السماء أم لا، ولكنه استدرك من الآن جازماً أن سيدنا موسى من الكاذبين.

قال تعالى في سورة القصص:

" وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ " الآية (38)

هل كان فرعون جادَّاً في طلب تشييد الصرح؟، وكم يحتاج من الجهود والأزمان حتى يتمَّ رفع قواعده، فتبلع الأسباب والسبل المفضية إلى السموات؟!، والمهمُّ أنه على الملأ والجمهور أن يوقفوا البّتَّ في دعوى الربوبية لهم وللكون من غير فرعون إلى أن يفرغ هامان من المهمة التي قد لا تنتهي في أربعين سنة.

فهل شرع هامان في بناء الصرح، أم أنه لم يحرك ساكناً؟، إن التاريخ لم يسجل أنه جرى التطاول في بنيانه، فلا بلغ عنان السماء، ولا حتى بُرْجَي التجارة اللذين مَرَّ بنا الذكرى العاشرة في الحادي عشر من سبتمبر لِجَعْلِهما قاعاً صفصفاً، فقد حاقت بالأمريكان سنة الله في الماكرين، وقد أنزل بشأنها في سورة النحل:

" قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ " الآية (26).

وإنه بنفس السُّنَّة الربانية كان تسليط الله جل جلاله لشباب الثورة في مصر على السفارة الصهيونية البالغة عشرين طابقاً؛ ليحطموا جدارها، ويقتحموا أبوابها، ويبعثروا أسرارها، وقد اضطرت طواقمها، ومعهم كبيرهم أو سفيرهم، أن يهربوا تحت جُنْح التخفي من قبل أن يقبض عليهم،  فَيُمَزِّقوا إرباً إِرَباً، وأيُّ حاجة لسفارةٍ أن تكون مدينةً قائمةً على عشرين طابقاً، لولا أنها وَكْرُ تجسسٍ عالمي، لاسيما على الشعب المصري؟!.

وقد أكدت آية غافر أن طلب بناء الصرح كان كيداً وخديعة من فرعون، قد زَيَّنَ له الشيطان به سُوءَ عمله، وصُدَّ به عن السبيل، فلم يؤمن بموسى، ولم يُرسِلْ معه بني إسرائيل.

إنني أجزم أن ما يسمى باستحقاق أيلول ما هو إلا خديعة أراد بها المتفردون بالاتجار بالقضية والثوابت التغطيةَ على الفشل، فجاء قفزة في الهواء، إذا أحسنا الظن، أو مخططاً مدروساً في إطار المقاولة الأمنية التي أبرموها في أوسلو، وتعهدوا فيها بالقضاء على المقاومة، وأسباب النهوض والتحرير.

ذلك أن حصر حَقِّنا في حدود 1967م يعني مباركة أربعة أخماس فلسطين خالصةً لليهود من دون المسلمين، وهذا ينطوي على وَأْدِ حق العودة للملايين السبعة المشردين في الأرض، بل الأخطر منه أن يُقْدِمَ الاحتلال على طرد المليون ونصف المليون المُنْزَرِعين في أرضهم بعد أن يُقِرَّ المغتصبون للقرار الفلسطيني بأنها حقٌّ خالص للقوم المغضوب عليهم في القرآن بما كانوا يفسقون.

ثم أليس من حق الاحتلال أن يلاحقنا لمقاضاتنا على كل المقاومة التي وقعت داخل المدن والقرى المحتلة من عام 1948م؟!، ولا أكون مبالغاً إذا قلت: إننا ننتظر أن يَبْتَزَّنا اليهود للتعويض عن اغتصاب أرضهم بالقرار الأممي منذ الفتح الإسلامي وإلى اليوم، وقد نَافَ ذلك على أربعة عشر قرناً.

باختصار؛ فإن الثقة مفقودة تماماً فيمن رضوا أن يكونوا الممثل الشرعي والوحيد للشعب؛ ليظلوا ممتطين له إلى قيام الساعة، ثم تفردوا بالمغامرة بمصيرنا، والمتاجرة بثوابتنا أربعين عاماً أو يزيد، وقد ثبت عملياً أنهم في شراكةٍ عضويةٍ مع الاحتلال في التعاون الأمني، والقضاء على المقاومة، وتصفية القضية، وما نرى ما يَدْعُونه استحقاق أيلول إلا حلقة في تقطيع السنين إلى أن يأتي الحين الذي ننعى فيه فلسطين.

 

ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون

في الحج زاد للدعاة الذين يريدون وجه الله في الحج زاد للدعاة الذين يريدون وجه الله
مشاهدات : 846 ، بتاريخ : 2013-03-10

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .