الحجُّ مسيرةٌ سلميةٌ تستحقُّ التهنئة حينَ تكسرُ الحصارَ بالتهدئة

  • بتاريخ : 2018-09-3
  • مرات القراءة : 77
الحجُّ مسيرةٌ سلميةٌ تستحقُّ التهنئة حينَ تكسرُ الحصارَ بالتهدئة

 

في رحاب آية 

د. يونس الأسطل 

 

( الحجُّ مسيرةٌ سلميةٌ تستحقُّ التهنئة حينَ تكسرُ الحصارَ بالتهدئة ) 

 

[رمز] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [رمز] 

البقرة (216) 

بعد انتهاء الركن الخامس للإسلام، وهو حجُّ البيت لمن استطاع إليه سبيلاً؛ ينبغي السؤال عن الفريضة التي تليه؛ تأهباً لامتثال قوله تعالى: "فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ" الشرح (7، 8) فإن الأخذ بهذا التكليف هو السبيل لأن يجعل الله عزوجل لنا مع كلِّ عُسْرٍ يُسرين؛ بحسب الآيتين اللتين تسبقان هذا التكليف، وهما: "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" الشرح (5، 6). 

ولما كان الجهاد في سبيل الله هو ذروةَ سنام الإسلام كان هو الفريضة الأُولى بعد الأركان، ومما يستأنس به في ذلك أن سورة الحج بعد أن فرغتْ من الحديث عن شعائر الله المتعلقة بالحج وبالنُّسُك أو المَنْسَك طفقت تفتح باب الدفاع عن النفس، وتجعل مقصده الأسمى ضمانَ حرية التدين، وإرهابَ أعداء الله من أن يُقْدِموا على ما يُبَيِّتون من تهديم المعابد والمساجد، وإلَّا عمَّ الفسادُ الأرضَ. 

كما وعدت عليه بالنصر والتمكين لمن ينصرون الله؛ إذا علم تبارك وتعالى أنه إنْ مكنهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتَوُا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونَهَوْا عن المنكر، كما في الآيتين (40، 41) من سورة الحج. 

أما سورة البقرة فقد قَسَّمتِ الناس بعد الحج إلى فريقين: فريقٍ منافق تأخذه العزة بالإثم لو قيل له: اتِّقِ الله، عندما يُفسد فيها، ويُهلك الحرث والنسل؛ لأنه أَلَدُّ الخصام، مع الادِّعاء بغير ذلك إلى الدرجة التي يعجب منها سامعُه، وأما الفريق الثاني فهو من يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله، سواء كان بالهجرة إلى الله ورسوله، كما في حقِّ صهيب بن سنان الشهير بالرومي رضي الله عنه، أو كان كهشام بن عامر الذي أراد أن يزرع الرعب في قلوب الأعداء، وأن يُجَرِّئَ أصحابه على قتالهم؛ حين تلثَّم، وانخرط تلقاء العدو وحده، ودخل بين صَفَّيْن، وجعل يضرب يميناً وشمالاً، فأطاح بالعشرات منهم قبل أن يتكَاثروا عليه فيقتلوه. 

إن هشام بن عامر رضي الله عنه بفعله ذاك كان من أفقه الناس بأحد مقاصد الحج؛ إذِ الحجُّ جهاد سلميٌّ للتدريب على أعباء الجهاد العسكري؛ حيث يخرج الحجيج بأموالهم وأنفسهم، ويقطعون الفيافيَ والأودية، ويصيبهم الظمأ، والنصب، والمخمصة، ويكابدون الحرَّ والزحام، وغير ذلك من المتاعب والآلام، وهو عين ما يعانيه المجاهدون، خاصة في جهاد الزَّحْف والطَّلَب. 

لذلك؛ فإن الحجَّ يعلمنا الزحفَ السلميَّ بالحشود، ورفع الصوت بالمطالب العادلة؛ كصدح الحجيج بالتلبية، والتكبير، والذكر الكثير، ثم برجم الجمرات بالحجارة، كما يُرجم الاحتلال بها، وكما رُجم بها قوط لوط من قبل، ثم أصحاب الفيل. 

أما آية المقال فتخبر عن إيجاب القتال علينا، وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون، كما حصل يوم بدرٍ، وأخبرت به سورة الأنفال في الآية (5)، لكنها تستدرك بأننا قد نكره شيئاً، وهو خيرٌ لنا، فعسى أن تكرهوا شيئاً، ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، وفي المقابل فقد تحبون شيئاً هو شرٌّ لكم، كما أحبَّ بعض الواقفين على جبل الرماة الدنيا؛ بالإشفاق أن يفوقهم نصيبهم من الغنائم؛ إن لم يشاركوا في جمعها، فكانت النتيجة أن صرفكم عن الغلبة على عدوكم؛ ليبتليكم بفقد المغانم،  وتقديم الشهداء والجرحى، ونزع المهابة من قلوب أعدائكم منكم، وغير ذلك من المتاعب التي أعقبت معركة أُحْدٍ تلك، وبالأخص إغراء يهود بني النضير بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لولا أن الله عزَّوجل قد عصمه من الناس. 

وفي الآية تأويل آخر، وهو أنها نزلت يوم الحديبية، حين بايعوا على القتال تحت الشجرة، فلما جنحت قريش للسَّلْم، فجنح لها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كرهوا ذلك الصلح، أو تلك الهدنة، ورغبوا في القتال؛ فقد رأوا ذلك الاتفاق لوناً من إعطاء الدنية في الدين، فأخبرهم ربُّهم أنهم قد يكرهون ما هو خيرٌ لهم، وقد كان ذلك الهدوء فتحاً مبيناً، ونصراً عزيزاً، وقد يحبون ما هو شَرٌ لهم، وهو الصِّدام الذي يُفضي إلى مزيد من العداوة والبغضاء على مشهد ما أزُهق من النفوس، وما أُريق من الدماء. 

ومن هنا؛ فإن بعض الإخوة الكرام يكرهون الحراكَ السلميَّ لكسر الحصار، ولو انتزعناه عبر مفاوضات التهدئة، ويرون اختصار الطريق في استفزاز الاحتلال لعدوانٍ جديد، لا مفرَّ منه إلا إليه، يفضي إلى إملاء المقاومة شروطها على الاحتلال حين يَتَوسَّلُ الرجوعَ إلى التهدئة، فيكون في مقدمة أثمانها رفعُ الحصار بالكلية عن القطاع، ومع يقيني باحتمال رجحان ذلك؛ إلا أن الخير إن شاء الله في التوصل إلى تهدئةٍ يتنفَّسُ معها الناس الصعداء بعد حصار نَافَ على ثِنْتَيْ عشرةَ سنة، إلى أن ينقضها الاحتلال حتماً، فيمنح المقاومة عندئذٍ ذريعة التصعيد، ولو تدحرجتْ إلى حربٍ من المتوقع أن تكون حامية الوطيس، لكنَّ الله الذي أراكم ما تحبون في الحروب الأخيرة لن يعجزه اليهود في الأرض، ولن يسبقوه؛ فإنهم إن يقاتلونكم يولوكم الأدبار، ثم لا ينصرون. 

 

والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .