رمضان ومسيرة العودة صنوان في مجابهة العدوان

  • بتاريخ : 2018-05-13
  • مرات القراءة : 257
رمضان ومسيرة العودة صنوان في مجابهة العدوان

في رحاب آية 

د. يونس الأسطل 

  

( رمضان ومسيرة العودة صنوان في مجابهة العدوان ) 

  

[رمز] ... وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [رمز] 

البقرة (177) 

أَزِفُ شهر رمضان، ودنتْ ذروة مسيرة العودة وكسر الحصار، ويبدو هذا التزامن من أقدار الله الحكيمة، فكلاهما نوع من المقاومة السلمية؛ لمواجهة الحصار، ومحاولة العودة إلى الديار. 

فأما الصوم فهو مقاومة لرغبات النفس الأمَّارة بالسوء، وهي تريد من صاحبها أن يركض وراء شهواته الجسدية؛ ليكون ممن يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام؛ بل هم أضلُّ سبيلا؛ ذلك أن الصائم يخوض معركةً لتغيير ما بنفسه من مظاهر الانهزام وأسبابه، يقيناً منه بأن الله لا يغيِّر ما بقومٍ حتى يُغَيِّروا ما بأنفسهم، والنفس هي خطُّ الدفاع الأول؛ فإذا انتصر فيه كان أرجى أن ينتصر في الجبهات الأخرى، وإذا انهزم فيه فهو أشدُّ هزيمة فيما وراءه من دوائر الدفاع، وعليه تدور الدوائر. 

ولعل السبب في مقولة بني إسرائيل لنبيِّهم موسى عليه السلام، "فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ" المائدة (24)، أنهم كانوا مهزومين أمام جُنوح بطونهم، وجنون فروجهم؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء، كما أنهم الذين قالوا: لن نصبر على طعامٍ واحد، ثم اعتدوا في السبت من أجل طعامٍ واحد، فقيل لهم كونوا قردةً خاسئين، ولما أراد الحواريون منهم مزيداً من معجزات سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام إذا بهم يطلبون مائدة من السماء، وقد باؤوا بغضبٍ على غضب، ولُعِنوا على لسان داوود وعيسى بن مريم؛ ومن أسباب ذلك أخذهم الربا، وقد نُهُوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل. 

لذلك ولغيره فلا عجب إنْ كتب عليهم القتال أن يتولوا إلا قليلاً منهم، ثم إن ذلك القليل إذا قيل لهم. إن الله مبتليكم بنهرٍ، فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني؛ إلا من اغترف غُرْفةً بيده، فشربوا منه إلا قليلاً منهم. 

وأما مسيرة العودة وكسر الحصار فقد اختير أن تكون سلميةً ابتداءً مسايرةً للقوانين الدولية، تلك التي شرعتْ للشعوب أن تقاوم الاختلال الداخلي، أو الاحتلال الخارجي، بالوسائل السلمية، فإذا جُوبهتْ بالقوة العسكرية كان هذا من إرهاب الدولة الذي يعطي الذرَيعة للشعوب أن تطوِّرَ أساليب المدافعة، وانتزاعِ الحقوق، بما يكون الطغاة والبغاة معه مضطرين إلى تخفيف وطأتهم عن المقهورين، وهي خطوةٌ مهمةٌ على طريق تحصيل كامل الحقوق المفضية إلى الخلاص منهم بالكلية. 

ولا مريةَ في أن الاستخلاف في الأرض، والتمكين للدين، والأمن بعد الخوف، لن يتحقق إلا بالابتلاء بالبأساء، والضراء، والزلزلة التي يقول معها الذين آمنوا: متى نصر الله؟، ويجيب ربُّنا تبارك وتعالى على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام. "أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ" البقرة (214)؛ ذلك أن سنة الله ماضيةٌ بأنه إذا استيأس الرسل، وظنوا أنهم قد كُذِبُوا جاءهم نصره، فَنُجِّيَ من يشاء، ولا يرد بَأْسُهُ عن القوم المجرمين. 

وبالعودة إلى آية المقال التي فَصَلتْ في جوانب البِرَّ والتقوى، فإن البِرَّ مَنِ اتقى، وإن الأبرار يُوفون بالنذر، ويخافون يوماً كان شره مستطيراً، ويطعمون الطعام على حُبِّه مسكيناً، ويتيماً، وأسيراً؛ لذلك فقد وصفتهم آية البر بعد اعتقادهم بأركان الإيمان بأنهم يُؤتون المالَ على حُبِّه ذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، والسائلين، وفي الرقاب، زيادة على إقامِ الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بعهدهم إذا عاهدوا، ثم ختمت بالجملة التي في وجه المقال بعد تغيير الإعراب من الرفع في قوله (والموفون بعهدهم.. ) إلى النصب على الاختصاص في قوله (والصابرين في البأساء.. ) لِيَشُدَّ الانتباه إلى أن الصبر في المواطن الثلاثة هو أخصُّ مناقب الأبرار، وأَوْلى ما يجب التشبت به، فمن فعل ذلك كان من الذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه، وكان من أحقِّ المؤمنين بوصف المتقين، ولا شكَّ أن الصوم يدخل في الصبر في البأساء، ويعين على الصبر على الضراء، والصبر حين البأس، ولقاء العدو، وحسبنا أن نعلم أن الصوم نصف الصبر، وأن الصبر نصف الإيمان. 

فإذا الْتَفَتْنا إلى واقعنا وجدنا ربَّنا سبحانه يَفْتِنُنا اليوم بهذه الابتلاءات الثلاث؛ ليصنعنا على عينه لمرحلة التمكين، وتحرير فلسطين؛ وفق سنة الاستبدال من بعد أن تحولت منظمة التحرير إلى منظمة التمرير؛ أيْ تمرير المخططات الصهيونية، وتصفية القضية عبر صفقة القرن، وهذا من فضل الله علينا؛ أَلَّا نكون أمثال أزلام الاحتلال؛ بل نكون من القوم الذين يحبهم ويحبونه الذين يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم، وإن حزب الله هم الغالبون. 

أَلَا ما أجهلَ من يحاصرنا ظاناً بذلك أنه يُرَكِّعُنا، وما درى أنه أداةُ الله في صناعتنا بالبأساء لنفسه!!، وكذلك ما أغفلَ الذين يطلقون علينا الغاز والرصاص؛ فإنهم من أسباب الله في ابتلائنا بالضراء، وخاصة الذين يُغلقون المعابر في وجه المرضى والمصابين، أو يحجبون الدواء والنظافة عنهم!!، وما أغبى الحِلْفَ الأمنيَّ والعسكري الذي يُبَيِّتُ العدوان علينا بالشراكة مع الصهاينة؛ فإنهم قدر الله في ابتلائنا بالبأس والزلزلة!!. 

إننا لعلى يقين أن كلَّ ذلك هو شرط اقتحام حقبة التمكين التي يُري الله فيها فرعون وهامان وقارون وجنودهم منَّا ما كانوا يحذرون، وكما تحررت فلسطين من القوم الجبارين، ومن جالوتَ وجنودهِ، ومن الرومانيين، ثم الصليبيين، ومن التتريين، سوف تتحرر قريباً من المحتلين والمنافقين والخائنين، وهو وَعْدُ الآخرة الذي نُتَبِّرُ فيه ما علاه بنو إسرائيل تتبيراً، وإنه كان وَعْدُهُ مَأْتِيّاً. 

  

وعسى أن يكون قريباً. 

  

  


التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .