اللجنة الإدارية الحكوميَّة فريضةٌ شرعيةٌ وضرورةٌ واقعيةٌ

  • بتاريخ : 2017-03-22
  • مرات القراءة : 566
اللجنة الإدارية الحكوميَّة فريضةٌ شرعيةٌ وضرورةٌ واقعيةٌ

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( اللجنة الإدارية الحكوميَّة فريضةٌ شرعيةٌ وضرورةٌ واقعيةٌ )

 

] وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ    [

المائدة (12)

أقدم المجلس التشريعي مؤخراً على المصادقة على برنامج اللجنة الإدارية الحكومية، وعلى الأشخاص المُنَسَّبِين لتحمل المسؤولية في القطاعات الخِدْمِيَّة المختلفة، بعد أن أجرى تعديلاً على اللائحة الداخلية الناظمة لعملها، وأجاز وصول عدد أعضائها إلى اثني عشر بمن فيهم رئيس اللجنة، وقد امتنع بعض النواب من المصادقة؛ بحجة أن البرنامج المطروح مقتضب، وهو يركز على المبادئ العامة، دون التفصيل في الآليات، وقد كُلِّف كل صاحب قطاع أن يضع الخطة التفصيلية لما يراه من برامجَ تشغيليةٍ من شأنها أن تنهض بأداء الوكلاء في وزاراتهم؛ وقد جاءت هذه اللجنة بمثابة الناظم لعمل الوزارات بعد أن مضى عليهم قرابة ثلاث سنين منتظرين أن يتولَّى الوزراء في حكومة التوافق –إن صحَّ التعبير- التواصل مع الوكلاء في غزة، غير أن تلك الحكومة لها دور بارز في زيادة معاناة القطاع، والشراكة في حصاره، واستنزاف موارده؛ لعل الناس يثورون على حركة حماس، ويتمكنون من جلب عباس؛ بسبب ما هم فيه من الحصار والإفلاس، ونحن على يقين أنهم سَيُمْسُون فاشلين.

وقد رأيت من الضروري تأصيل هذه الخطوة في الحاجة لميلاد اللجنة الإدارية الحكومية؛ حتى لا يُتْرَكَ الناس في غزة يموج بعضهم في بعض، فهم جديرون بأن نتفانى في خدمتهم، والتخفيف عنهم، فقد احتضنوا المقاومة، وصمدوا معها موقنين بالتحرير، مهما كانت وطأة التضحيات والتحديات.

إن آية المقال تخبرنا عن تجربة بني إسرائيل في فترة التِّيه قبل أن يتمكنوا من دخول الأرض المقدسة، وإقامة خلافةٍ إسلاميةٍ فيها بقيادة يوشع بن نون، وهو أقرب الحواريين من سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام، فقد اختير من كلِّ سِبْطٍ منهم نقيب؛ ليكون راعياً لشؤونهم، وهو ما يُوحى به وصف النقيب؛ فإنه الذي يُنَقِّبُ عن أحوال الناس، فيجلب لهم المصالح، ويَدْرَأُ عنهم المفاسد، ويُسهم في حلِّ الأزمات، أو تخفيفها بحسب الإمكان.

وقد تضمنت الآية برنامجاً موجزاً لإدارة أولئك النقباء لشؤون بني إسرائيل، وأَوَّلُه إقامة الصلاة، أيْ توثيق الصلة بالله؛ إِذِ السعادة الحقيقية في الارتباط بالله؛ حتى لا يَغُرَّنكم تقلُّبُ الذين كفروا في البلاد، فإن الله مولى الذين آمنوا، وإن الكافرين لا مولى لهم.

وثاني البنود في ذلك الميثاق هو إيتاء الزكاة، وهو يعني تقوية الصلة بالمجتمع، حتى نحتضن الفقراء والمساكين والغارمين، ونتألَّفَ قلوب المحتاجين والسائلين.

أما ثالث الوظائف فهو الإيمان بالرسل وتعزيرُهم؛ أيْ اتِّباعُهم ونُصرتُهم، والقتال لإقرار دعوتهم في الأرض؛ إنْ في حياتهم، أو بعد مماتهم؛ فإنه لولا دفعُ الله الناسَ بعضَهم ببعض لفسدت الأرض، ولكنَّ الله ذو فضلٍ على العالمين.

أما الرابع والأخير لتلك الواجبات الكبرى فهو الإقراض الحسن لله، ذلك أن الزكاة وحدها لا تفي بالحاجات العديدة للناس، فلزم إغراء الأغنياء بأن يحملوا في أموالهم تلك الأعباء؛ فإما فعلوا ذلك طواعية؛ إيماناً منهم بأنهم يقرضون الله قرضاً حسناً، فيضاعفه لهم في الدنيا، وأما في الآخرة فهو كمثل حبةٍ أنبتت سبع سنابل، في كلِّ سنبلةٍ مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء، ولن تنالوا البِرَّ حتى تنفقوا مما تحبون، وإلَّا فإن النقباء مضطرون أن يفرضوا على أُولي الطَّوْل منهم والسعة أن يَسُدُّوا تلك الحاجات، وهو ما يعرف بالضرائب، والجمارك، والجباية من التجار والمستثمرين؛ حتى يتوفر لهم الأمن عبر كفاية المحتاجين، والقدرة على توفير حاجات الشرطة، والمؤسسات الأمنية.

وقد تعهَّد ربُّنا تبارك وتعالى لأولئك النقباء بالمعية والمعونة والتوفيق في هذه الحياة الدنيا؛ إذا قاموا بذلك الميثاق، كما وعدهم في الآخرة بتكفير السيئات عنهم، وإدخالهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار، وإنهم بذلك يرجون تجارة لن تبور، غير أنهم إذا تَوَلَّوْا من بعد ذلك فقد ضّلُّوا سواء السبيل، ومن يُضْللِ الله فلن تجد له نصيراً، وثقتنا في إخواننا الذين تَكَفَّلُوا باللجنة الإدارية أنهم ممن يرجون الله واليوم الآخر، وأن الله سبحانه سَيُرينا منهم ما تَقَرُّ به أعين شعبنا.

وإن مما يشهد لضرورة وجود نقباء للناس عند غياب التمكين، أو تخلِّي الحكومات عن واجباتها، أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام حين بايع وفد الأنصار بيعة العقبة الكبرى قال لهم: "أَخْرِجوا إليَّ منكم اثْنَيْ عشرَ رجلاً يكونون كفلاءَ على أقوامِهم بما فيهم ككفالةِ الحواريينَ لعيسى بنِ مريم..."

فكان منهم تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، بحسب بطون كل قبيلة منهما، واستمرَّ ذلك بعد الهجرة وإقامة الدولة، وكانوا يرفعون إليه حاجات أقوامهم، غير أن حالنا اليوم متوزِّعٌ على قطاعاتٍ، فمنها التعليم والأوقاف، وكذا الصحة وتوابعها، ثم الأمن ولواحقُه، ومن قبل ذلك ومن بعده المال والاقتصاد، وكذلك الحكم المحلي والبلديات، وما تبقَّى من القطاعات والحاجات.

وإنني أضرع إلى الله أن يُعين هذه الثلة من الآخِرين الذين رَضُوا أن يحملوا هذه الأمانة في ساعة العُسْرة من بعد أن ضاقت علينا الأرض بما رَحُبَتْ، لولا فسحة الأمل في الله الذي له خزائن السموات والأرض، وهو الذي يُنَزِّل الغيث من بعد ما قنطوا، وينشر رحمته، وهو خير الرازقين.

 

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .