مُجَابهةُ القوارعِ بصلاحِ ذاتِ البَيْنِ وَعَدَمِ التنازع

  • بتاريخ : 2017-02-16
  • مرات القراءة : 1807
مُجَابهةُ القوارعِ بصلاحِ ذاتِ البَيْنِ وَعَدَمِ التنازع

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( مجابهة القوارع بصلاح ذات البين وعدم التنازع )

 

] يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ   [

الأنفال (1)

لا زلنا نسمع لغة الوعيد من بعض زعماء اليهود؛ بأنهم يتأهبون لحرب الحسم، كما يصفها (نفتالي)، أو الحرب الأخيرة، كما ينعتها (ليبرمان)، وأن تلك الحرب قد تكون في الربيع من هذا العام، ومع أنني أستبعد ذلك إلا أن الواجب يقتضي أن تأخذوا حذركم وأسلحتكم، فقد وَدَّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم، فيميلون عليكم ميلةً واحدةً، لكنَّ الله أعدَّ للكافرين عذاباً مهيناً، ونحن نتربَّصُ بهم أن يصيبهم الله بعذابٍ من عنده أو بأيدينا.

ولعل من وجوه استبعاد عدوانٍ جديدٍ أنهم لم يُفيقوا بعدُ من صدمة تقرير مراقب الكيان عن الخسائر التي تكتَّم عليها النتن ياهو وفريقه عن العصف المأكول، أو ما لقَّبوه بالجرف الصامد؛ فإذا به جرفٌ هارٍ، وسينهار بهم في نار جهنم، فقد توعَّدهم ربُّهم بأنهم سَيُغْلَبون ويُحْشَرون إلى جهنم، وبئس المهاد، كما هدَّد الذين ينفقون أموالهم؛ ليصدوا عن سبيل الله بأنها ستكون عليهم حسرةً، ثم يُغَْلَبون، وإلى جهنم يُحْشَرون.

ومن أسباب ترجيح كون تلك التصاريح مجردَ بالوناتٍ إعلامية أنهم يفاوضون على صفقة تبادل أسرى، وهم يلاحظون ما أُعِدَّ لهم من اليوم الأول لتهدئة العصف المأكول، ويرون أنه من شِبْهِ المستحيل تحقيق ما عجزوا عنه فيها، وفيما سبقها من مجابهات، ألم تَرَوْا كيف تنصَّلوا من مسؤولية ضرب فُوَّهةِ نفقٍ في الجانب المصري، واستشهاد عامليْنِ فيه، ولعل مردَّ ذلك إلى التوجُّس من أن تتدحرج الأمور إلى معركة كبرى.

ولذلك فإن الواجب يلزمنا أن تقاتلوا في سبيله صفاً، كأنكم بنيان مرصوص، ألم تَرَوْا إلى نصر الله إياكم ببدرٍ وأنتم أذلةٌ؛ حين ألَّفَ بين قلوبكم، وأخبر نبيَّه عليه الصلاة والسلام أنه لو أنفق ما في الأرض جميعاً ما ألَّف بين قلوبهم، ولكنَّ الله ألَّف بينهم حين حبَّب إليهم الإيمان، وزَيَّنه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، فصاروا هم الراشدين.

ولعل من أقوى الأدلة الحاضرة يومها على أن المال لا يجمع القلوب؛ بل يفسدها؛ أنهم حين جُمعت الغنائم اختلفوا في الأحقِّ بها، وقد وصف عبادة بن الصامت ذلك المشهد وهو يروي سبب نزول آية المقال، فقال: (فينا –أصحاب رسول الله- نزلت هذه الآية حين اختلفنا في الأنفال، وساءت فيها أخلاقنا ..)، والتعبير بسوء الأخلاق يعود إلى أنهم كانوا يرون الصغائر كبائر، كما أن الشهيد سيد قطب رحمه الله اعتذر لهم بأن الحرص على حيازة نصيبٍ من الغنائم يرجع إلى أنه بمثابة الشهادة بالبلاء الحسن في القتال، وقد كانوا حريصين على هذه الشهادة في أول غزوة يواجهون فيها المشركين، ولو كانوا آباءَهم، أو أبناءَهم، أو إخوانهم، أو عشيرتهم.

وقد تأخَّر البتُّ في حكم الغنائم أربعين آيةً، تضمنت دروساً كثيرة في التربية والتعبئة هي أهمُّ ألفَ مرةٍ ومرة من النصيب في الغنائم، رغم أن حالهم كان يُرثى له، بدليل دعائه صلى الله عليه وسلم لهم:

"اللهمَّ إنهم جياعٌ فأطعمْهم، عُراةٌ فَاكْسُهم، حفاةٌ فاحملْهم"، وقد كان الأهم من الغنائم تلك التكاليف الثلاثة التي يفوزون بها بصفة المؤمنين، وهي تقوى الله، وإصلاحُ ذاتُ البَيْن، وطاعةُ الله ورسوله، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "ألا أَدلُّكم على أفضلَ من درجةِ الصومِ والصلاةِ والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: صلاحُ ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة" وزاد في رواية: "لا أقول: تحلق الشّعْر، ولكنْ تحلق الدين"؛ وخاصة حين يَدِبُّ إليهم داء الأمم قبلهم؛ الحسد والبغضاء.

وهذا ما أكَّدتْ عليه سورة الأنفال حين ذكرت أسباب الانتصار الستة، وكان منها: " وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ  .." الآية (46).

ومن عجبٍ أنهم حين لاحتْ بارقة مالٍ في فداء الأسرى مالوا إليه، ولم يأخذوا بالإثخان، وكسر شوكة قريش؛ حتى تضع الحرب معهم أوزارها، فكان أن عُوتبوا بأنهم يريدون عرض الدنيا، والله يريد لهم الآخرة، وأنه لولا كتابٌ من الله سبق بحلِّ الفداء، كما أحلَّ الغنائم، لمسَّهم فيما أَخذوا عذابٌ عظيم.

وقد كان من عواقب إطلاق سراح الأسرى أن عادوا يَثْأَرُونَ منا يوم أُحُدٍ، فنصرنا الله عليهم، وحين لاحت الغنائم، وتخوَّف بعض الموقوفين على جبل الرماة أن يفوتهم نصيبهم منها، نَزَلُوا من غير أن يؤذن لهم، ونازعوا قائدهم الميداني عبد الله بن جبير، وعَصَوْا نبيَّهم من بعد ما رأوا ما يحبون من النصر والفتح القريب؛ فإذا بالكِفَّةِ تنقلب، فتذهب الغنائم، ويدفعون ثمن الآخرة والأُولى؛ أيْ إرادة الدنيا والغنائم، وقبول الفداء من قبلُ، والأصل أن يتطلعوا إلى المغفرة والجنة، وإلى أن يُشَرِّدوا بعدوِّهم مَنْ خلفهم؛ لعلهم يَذَّكَّرون.

وبالعودة إلى واقعنا فإن الاستحقاق الأخير داخل الحركة قد ساءت معه أخلاق بعض الأفراد، أو الشُّعَب، أو الأجنحة، وكادتْ تفسد ذات بينهم، والأصل ألَّا نسمح بهذا التزحلق، وأن نتعجَّل ترميم آثاره، ومعالجة أسبابه؛ حتى نعود بُنياناً مرصوصاً في مواجهة تهديد الاحتلال، وفي تطويق ما يراد من الاختلال للجبهة الداخلية، وإنني وَجِلٌ من وعكةٍ كوعكة أُحُدٍ، خاصة إذا كان الذين غلبوا على أمرهم يغلب عليهم الثقافة العسكرية، بأكثرَ من الدهاء السياسي، أو الخبرة الإدارية والتربوية، ولكنَّ عزاءَنا في أنكم ربما تكرهون شيئاً، ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، ونُفَوِّض أَمْرَنا إلى الله؛ عسى أن يَقينَا سيئاتِ ما يمكر بنا أعداؤُنا، وهو حَسْبُنا، ونعم الوكيل.

 

والحمد لله ربِّ العالمين، ولله الَأمر من قبلُ ومن بعد

 المصارحة بوجوب قهر البغاة على المصالحة المصارحة بوجوب قهر البغاة على المصالحة
مشاهدات : 341 ، بتاريخ : 2015-03-22

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .