الانطلاقةُ تُعَلِّمُنا أن الصبرَ والشكر مفتاحُ الخيرِ والنصر

  • بتاريخ : 2016-12-14
  • مرات القراءة : 248
الانطلاقةُ تُعَلِّمُنا أن الصبرَ والشكر مفتاحُ الخيرِ والنصر

في رحاب آية 

د. يونس الأسطل 

  

( الانطلاقةُ تُعَلِّمُنا أن الصبرَ والشكر مفتاحُ الخيرِ والنصر) 

  

[رمز] وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ  [رمز] 

إبراهيم (5) 

بمناسبة الذكرى التاسعة والعشرين لانتفاضة المساجد التي تزامن معها ميلاد حركة المقاومة الإسلامية، وددتُ أن أذكِّر ببعض دروسها وعِبَرِها، من باب التذكير بأيام الله؛ عسى أن نكون من الصَبَّارين الشَّكُورين الذين ينتفعون بما فيها من المواعظ والفوائد المعبَّر عنها بآيات الله في آية المقال، وفي تلك الآية تكليفان أُمِرَ بهما سيدنا موسى عليه السلام: 

الأول منهما أن يجتهد في إخراج قومه من الظلمات إلى النور، وهو بذلك يلتقي مع رسالة نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم؛ فقد جاءنا رسولاً يتلو علينا آياتِ الله مبيناتٍ؛ ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور كما في سورة الطلاق (11)؛ ويشهد بذلك مستهلُّ سورة إبراهيم عليه السلام. 

وأما الثاني فهو تذكيرهم بأيام الله، ما كان فيها من نِعَمٍ؛ ليكونوا شاكرين لِأَنْعُمِه، وما كان فيها من نِقَمٍ؛ ليكونوا صابرين على مِحَنِه، وقد دَلَّنا على نوعي أيام الله ختم الآية بالثناء على كلِّ صبَّار شكور؛ فالله عز وجل يبلوكم بالشر والخير فتنة، ولا يقضي للمؤمن قضاءً إلا كان خيراً له؛ إنْ أصابته سَرَّاءُ شكر؛ فكان خيراً له، وإنْ أصابته ضَرَّاءُ صبر، فكان خيراً له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للعبد المؤمن، وإن الصبر نصف الإيمان، وإن الشكر هو شطره الآخر، وإن مَنْ صبر وشكر فقد حاز الإيمان كلَّه. 

ومن أيام الله تعالى لبني إسرائيل أنه أنجاهم من آل فرعون، يسومونهم سوء العذاب، ويُذَبِّحون أبناءهم الذكور، ويتركون إناثهم للخدمة والفاحشة، وقد وعد الشاكرين أن يزيدهم من فضله، كما توعَّد الجاحدين بالعذاب الشديد، وأقلُّ ذلك أن يَسْلِبَ تلك النعم، فيعودوا سيرتهم الأُولى، قد ضُرِبتْ عليهم الذلة والمسكنة، وتأذَّنَ ربُّك لَيبعثَنَّ عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب. 

فإذا عدنا إلى الذكرى التاسعة والعشرين لثورة الحجارة والسكاكين؛ فإنه لم نكن نتوقع أن حجرنا الأول سيصبح قذيفة هاون، أو صاروخاً يضرب تل الربيع في حجارة السجيل، ثم يدكُّ حيفا في العصف المأكول؛ قبل مضيِّ حولين من ذلك التاريخ، ولسنا ندري بعد عامين منها ما هو مدى تلك القذائف، وما حجم رؤوسها المتفجرة، وكم عدد ما يملكه القسَّام منها؟!، كما أننا لا نعلم حجم الأنفاق بأنواعها، ولا طائراتِ الأبابيل ووظائفها، ولا الضفادعَ البشرية وقدراتِها، ولا الإبداعاتِ والمفاجآتِ التي تعوَّدنا أن نراها في الميدان من حيثُ لا نحتسب. 

إننا اليوم نتذكر صبرنا على الرصاص المطَّاطي، ثم الرصاص الحي بأنواعه، وبعضها يشبه الأزاميل التي تُفَتِّتُ جذوع الأشجار اليابسة؛ بل إنه كان يخترق سارية الباطون؛ فضلاً عن الرصاص المتفجِّر داخل الجسد؛ فيفضي إلى تَهَتُّكِ الأعصاب والأنسجة، ولن يفوتنا قذائف الدبابات، ولا صواريخ الطائرات، ولا الفسفور الأبيض، أو اليورانيوم المخصَّب، وربما سلقونا بغير ذلك من أسلحة الدمار الشامل، ممَّا لا يعلمه إلا الله. 

ولكننا نتذكر أيضاً أننا قد أعجزناهم عن تركيعنا، لا بتكسير العظام، ولا بإبعاد القادة العظام، فضلاً عن اعتقال الأبطال سبع سنين دَأَباً، ثم جاء من بعد ذلك سبعٌ شِداد، تولَّى فيها شطر الشعب الفلسطيني ممن جلبهم الاحتلال من الخارج، ومن زبائنهم في الداخل، تَوَلَّوُا النيابة عن الاحتلال، أو بالتعاون الأمني والعسكري معه، فتنافسوا في وَأْد المقاومة، وفي تعذيب أجنادها إلى درجة الشهادة للعشرات منهم تحت التعذيب، وكان الهدف هو نقل الصدام؛ ليكون بيننا وبين أولئك الطُّغَام من بني جلدتنا، وقد انتصرنا يوم صبرنا على السفهاء منهم سبع سنين، ولقد تأجَّجت جذوة الانتفاضة من جديد سبعاً أخرى، أعاننا ربنا تبارك وتعالى فيها على إجلاء الاحتلال عن غزة، والقضاء على الفلتان الذي تولَّاه الخِصْيان، ممَّن اغْتَرُّوا بمن زعم أن المقاومة ورجالها لا يحتملون غَلْوةً واحدةً مع مَنْ هم أكثر منهم مالاً، وأعزُّ نفراً، لكنهم أُحيطَ بهم في ثلاثة أيام سواءً للسائلين، وقد وَلَّوْا مدبرين، وتبيَّن أنهم كانوا أشبه ببرجٍ من ورق، وفي دقائقَ معدوداتٍ قد احترق، فأصبحوا يُقَلِّبون أَكُفَّهم على ما أنفقوا فيها، وهي خاوية على عروشها؛ بل أقبل بعضهم على بعض يتلاومون. 

ولمَّا كنا من الشاكرين لتلك الكرامات أو الآيات؛ فقد زادنا ربُّنا منها، فَأَقْدَرَنا في السبع التي تليها على صدِّ ثلاث حروبٍ دولية، وانتزعنا فيها المئاتِ من أسرانا أصحابِ المؤبدات، فضلاً عن أسيراتنا الماجدات، وهُنَّ بالعشرات. 

وإذا كنا في السبع الغابرة قد أسأنا وجوه بني إسرائيل؛ فإن القادمة منها ستكون بمشيئة الله لدخول المسجد الأقصى، كما دخلناه أول مرةٍ بمعركة اليرموك، وما تلاها، وقد نحتاج إلى سبعٍ أخرى لتتبير عُلُوِّ بني إسرائيل، وبها يكون تمام أربعين سنة من المقاومة والزحف من اليوم الذي انطلقت فيه الانتفاضة جهاداً في سبيل الله، وكان القوم من قَبلُ قد استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير أربعين سنة من التيه، رفعوا فيها رايات وثنيةً؛ من القومية، إلى الاشتراكية، إلى الوطنية، ثم الإلحاد واليسارية، ثم العلمانية التي تعني اطِّراحَ الدين، والاعتماد على الخنادق والبنادق، ثم آل أمرهم إلى البيوت الفارهة والفنادق، فَأَحَلُّوا قومهم دار البوار، ورَضُوا من الغنيمة بما يشبه زواج المسيار، بل لا أبالغ إذا وصفته بالبغاء السياسي الأسوأ من السفاح، واتِّخاذ الأخدان والخِلَّان. 

إننا اليوم أمام جيلٍ من عباد الله أُولي البأس الشديد، وهم جنودٌ لا قِبَلَ للاحتلال بهم، وهم أشدُّ رهبةً في صدور الصهاينة والخونة من الله، وقد يختصرون دخول المسجد الأقصى والتتبير للعلو الكبير في بضع سنين، وما ذلك على الله بعزيز، وهو نعم المولى، ونعم النصير. 

  

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .