التتبير للعلو الكبير لبني إسرائيل بدأ بوعد بلفور

  • بتاريخ : 2016-11-18
  • مرات القراءة : 378
التتبير للعلو الكبير لبني إسرائيل بدأ بوعد بلفور

في رحاب آية 

د. يونس الأسطل 

 

( التتبير للعلو الكبير لبني إسرائيل بدأ بوعد بلفور ) 

 

[رمز] وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا  [رمز] 

الإسراء (104) 

جرت العادة في مستهلِّ شهر تشرين الثاني (نوفمبر) أن تُعقد الندوات، وتُدَبَّجُ المقالات؛ نَعْياً على الإنجليز؛ بسبب وعد بلفور، حيثُ لم يكتفِ البريطان بإطلاق ذلك الوعد؛ بل أقدموا على جريمة احتلال فلسطين، تمهيداً لتشجيع الهجرة اليهودية، ومقدمةً لإقامة كيان سياسي لهم. 

ولعل السرَّ في هذا ما قام به بعض أصحاب المليارات من اليهود؛ بتغطية العجز في المديونية التي أرهقت كاهل الإنجليز بعد الحرب العالمية الأولى التي امتدت أربع سنين من تاريخ 1914م. 

وقد انتهز الإنجليز أسطورة أرض الميعاد؛ لإغراء اليهود بالقبول بوعد بلفور، ولإراحة أوروبا من فسادهم وإفسادهم، ولاستغلال طاقتهم في الصراع مع أمة العرب والإسلام؛ لعل خصومهم يُفْني بعضهم بعضاً، فيكون الإنجليز قد خاضوا الحروب ضدنا بالوكالة عبر الصهاينة، كما يخوض الصهاينة أنفسهم حربهم ضدَّنا وضدَّ شعوب المنطقة بالوكالة حيناً، وبالشراكة حيناً آخر، مع السلطات المُنَصَّبةِ فوق صدور الشعوب، أو الممتطية عواتقهم. 

غير أن أكثر المداخِلين بهذه الذكرى لا يخطر ببالهم أن يربطوا ذلك بسنن الله في اليهود المفسدين، أولئك الذين أعلمهم ربُّهم أن فلسطين سوف تحتضن فسادهم؛ لِتَئِدَه مرتين في التاريخ، ومن المرجح أن المرة الأولى قد مرَّت، وأن عباداً لله أًولي بأسٍ شديد قد جاسوا خلال ديارهم، وكان وعد مفعولاً، وأن الإفساد والعلو الكبير القائم لهم اليوم في أرضنا المقدسة هو وعد الآخرة، ولعلَّ تسمية القضاء المبرم على فساد بني إسرائيل في المرة الثانية بوعد الآخرة للدلالة على أنهم لن تقوم لهم قائمة بعد ذلك في الأرض المباركة. 

إن آية المقال تشير إلى أن أمارة وَعْدِ الآخرة أن يجيء الله عز وجل بهم إلى حتفهم لفيفاً، أيْ بالهجرات الجماعية، وقد طفقوا يهاجرون إلى ديارنا منذ الاحتلال البريطاني قبل تسع وتسعين سنة، غير أن قيام الكيان السياسي في عام 1948 قد زاد من وتيرتها، وبعد حرب 1967م تصاعدت بصورة أكبر، وإن تلك الهجرات إلى بيت المقدس وأكنافه لم تكن في يوم من الأيام كما كانت في عهد سلطة أوسلو التي قَدَّستْ التنسيق الأمني، والتعاون العسكري مع الاحتلال، كأثرٍ من آثار الإقرار بشرعية الاستعمار؛ بل الاحتلال اللعين، وما درى أولئك المغرورون أنهم بأقدامهم إلى حتفهم يزحفون. 

إن الاستئصال المحتَّم الذي توعَّد به ربُّنا هؤلاء المفسدين سيمرُّ في ثلاث مراحل؛ أُولاها أن نَسُوءَ وجوههم معرَّةً وكَبْتاً، والثانية أن ندخل المسجد الأقصى منتصرين كما حصل للفاتحين الأولين، وأما الثالثة فهي التي نُتَبِّرُ فيها ما علاه بنو إسرائيل تتبيراً، ولكن ذلك لن يفوز به إلَّا عبادٌ لله أُولُو بأسٍ شديد، ومن عجبٍ أنه قد مضى علينا نصف قرن أو يزيد ونحن فريقان: إما عبادٌ لله، ليسوا أُولي بأسٍ شديد، وقليلٌ ما هم، وإما أولو بأس شديد، وليسوا عباداً لله، وهم الذين بلغ بهم الانحراف أو الانجراف عن الدين أن يروا أنه أفيون الشعوب، وأن راية التحرير هي القومية العربية، ثم الاشتراكية الناصرية، ثم العلمانية الوطنية؛ بل لقد ذهبت الجبهات التي أطَّلتْ علينا في السبعينات إلى أن طريق التحرير هي الإلحاد، وإنكار الربوبية والألوهية، وقد أَنِفُوا من اسم الجهاد في سبيل الله فَنَعَتُوه بالنضال من أجل دولة فلسطينية على شاكلة الحكومات العربية، وهي أسوأ أنظمة الحكم على الإطلاق، وأشنع صور الاستبداد وتأليه الحُكَّام. 

لكننا ومنذ انتفاضة المساجد قبل ثلاثة عقود قد شهدنا مَنْ جَمَعَ بين العبودية لله والبأس الشديد، فأمدَّهم ربهم بما شاء من جنود السموات والأرض، فلم تفلح سياسة الاعتقال أو الاغتيال، أو الإبعاد إلى مرج الزهور في تطويق تلك الظاهرة، وهو ما دفع اليهود لاستنفار إخوانهم المنافقين لهذه المهمة، ولكنَّ الأمور تتدحرج نحو وعد الآخرة، ولذلك فما لبثنا إلا قليلاً حتى اشتعلت انتفاضة الأقصى من جديد، وتمكنت في بضع سنين من ترحيل الاحتلال، وتطهير غزة من الفلتان، وإفشال العدوان في حروب متلاحقة، وما لا يُحصى من حالات التوغل في أطراف القطاع، وإن الضفة الغربية على موعد مع اجترار تجربة غزة، ولا يَغُرَّنكم القبضة العسكرية للأجهزة الأمنية، فقد كانت معربدةً في غزة، وتَبيَّن أنها في ساعة الحسم ليست إلا كَبُرْجٍ من ورق، أو كَمِلْحٍ سرعان ما يتلاشى في الماء. 

إن الصراع بين جناحي حركة فتح مُفْضٍ غالباً إلى إنهاكها، حتى إذا تصاعدت المقاومة الإسلامية ضدَّ الاحتلال، وهم مشغولون بتصفية الحسابات الداخلية؛ أقدم الاحتلال نفسه على التخلص من عِبْئِهم، والقصاص منهم، بعد أن فشلوا في توفير أمنه بثمنه المُسَمَّى بأموال الدول المانحة. 

باختصار؛ إن وَعْدَ بلفور هو الخطوة الأولى على طريق وعد الآخرة التي يُنْزِلُ فيها ربُّنا بني إسرائيل من صياصيهم لعباده المؤمنين أُولي البأس الشديد، بعد أن يقذف في قلوبهم الرعب، فريقاً تقتلون، وتأسرون فريقاً، ويومها يعلم اليهود أنه كان وعداً مشؤوماً عليهم، وهو من بركات فلسطين على العالمين. 

 

وعمَّا قليلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادمين، ولاتَ حين مناص

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .