الخير الكثير في التغيير والتدوير، ولا ينقص هذا من مقامهم الكبير

  • بتاريخ : 2016-11-5
  • مرات القراءة : 303
الخير الكثير في التغيير والتدوير، ولا ينقص هذا من مقامهم الكبير

في رحاب آية 

د. يونس الأسطل 

 

( الخير الكثير في التغيير والتدوير، ولا ينقص هذا من مقامهم الكبير ) 

 

[رمز] وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [رمز] 

البقرة (247) 

على أثر الإعلان عن التنقلات الجديدة في بعض وكلاء الوزارات، وعدد من المدراء العامِّين؛ انفلتتْ ألسنةٌ حِدادٌ في المواقع الالكترونية، والصفحات، والمنتديات، وكأنَّ كِسْفاً من السماء قد وقع على الأرض، بل أعلن بعض المدوَّرين رفضه للقرار، ولو أدَّى إلى اعتزاله الوظيفة بالكلية، بينما ذهب عدد محدود جداً منهم إلى الشكوى للقضاء، أو للمجلس التشريعي. 

ولستُ هنا للدفاع عن القرار، ولا لمواساة المصدومين، إنما وددتُ أن أشير إلى أن التدوير في الوظائف العليا ظاهرةٌ صحية، وقد تحتاج في واقعنا إلى تراضٍ، وتشاورٍ، وحسنِ إخراج؛ بحكم أن المُسْتَنَدَ القانونيَّ لا يحسم الخصومة وحده، فالفصائل، والعشائر، والمناطق، وربما العساكر أحياناً، لهم سطوة أو حُظْوة أقوى من صوت القانون أو سَوْطه. 

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد نزع راية الخزرج يوم فتح مكة من سيدهم سعد بن عبادة، ودفعها إلى ولده قيس بن سعد، حين قال لرجال من قريش: اليوم يوم الملحمة، اليوم أذلَّ الله قريشاً، وقال: "بل اليوم يوم المرحمة، اليوم أعزَّ الله قريشاً". 

غير أن الملاحظ أنه قد راعى شعور سعدٍ، فلئن عزله عن قيادة الخزرج؛ فلقد أبقاها في ولده، ومن المعلوم أن أكثر الناس لا يحبُّ لأحدٍ أن يتفوَّق عليه، إلا ما كان من الوالد؛ فإنه يرضى أن يتقدم ولده عليه؛ فإن شرف نجله شرفٌ له، فكأن الراية لم تنزع منه. 

وها هو عمر بن الخطاب يعزل خالد بن الوليد حين حمي الوطيس في معركة اليرموك، وهو في قمة عطائه وانتصاره، ونَصَّبَ مكانه أمين هذه الأمة أبا عبيدة عامر بن الجرَّاح، ولم يكن هذا عن قصور في خالد، إنما أَوْجَسَ في نفسه خيفةً أن يعتقد بعض المؤمنين في خالد أنه معصوم، وأن انتصاره حَتْمٌ مَقْضِيٌّ، فيتكلوا فيما يتعلق بالأخذ بالأسباب، فيؤدي إلى الإخفاق والإياب، أو حتى الانقلاب على الأعقاب في ساعة العسرة التي يكاد يزيغ فيها قلوب فريقٍ منهم. 

أما آية المقال ففيها تدوير القيادة من أحد أسباط بني إسرائيل من بعد ما ظنوا أنهم الممثل الشرعي والوحيد لبني إسرائيل إلى سبطٍ آخر؛ لأن فيهم مَنْ هو أحقُّ بالقيادة العسكرية، فقد اصطفاه الله عليهم، وزاده بسطةً في العلم والجسم، خاصة وأنهم كانوا في ظرفٍ عصيب، أُخْرِجوا فيه من ديارهم وأبنائهم، وأتى عليهم حينٌ من الدهر لم يكونوا بين الأمم شيئاً مذكوراً، فلما تحركتِ النخوة في الملأ منهم، وأيقنوا أن القتال في سبيل الله هو الطريق الوحيد للتحرير، ولم يَرَوْا في نبيِّ زمانهم مؤهلاتٍ قياديةٍ عسكرية، لهذا قالوا له: " ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ "، وهذا إدراك منهم لأهمية الأهلية في القيادة المنوط بها مهمة التحرير. 

وقد تولىَّ أكثر بني إسرائيل عن فريضة الجهاد، كما رفضوها أول مرة حين قالوا لموسى عليه السلام: 

" إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ " المائدة (24) 

وكذلك فقد رفضوا التدوير في القيادة حين قالوا: " أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ..". 

وهكذا الشأن في بعض الفصائل الفلسطينية التي تخلَّتْ عن الكفاح المسلَّح، أو القتال في سبيل الله طريقاً وحيداً للتحرير، فأنعم عليم خونة العرب بلقب: الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وقد انتهزوا فرصة للاستئثار بكلِّ شيءٍ، حتى بمصير الشعب الفلسطيني، وقد تبيَّن أنهم يُمَثِّلون عليه، ولا يمثلونه، فأبدلهم الله بالطائفة المنصورة التي لا يضرها من خالفها، ولا مَنْ خذلها. 

إن التغيير والتدوير ليس بالضرورة أن يكون بسبب الضعف أو القصور، فضلاً عن أن يرتبط بالفساد في البلاد، إنما قد يكون بسبب قيادات جديدة أكثر تفوقاً من السابقين بالإدارة، وها هو سيدنا سليمان يرثُ أباه داوود في النبوة والكتاب، وفي القضاء والخلافة، حتى لقد أُوتي مُلْكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده، حين أظهر تفوقاً على أبيه، رُغْم أن الله قد آتى كُلَّاً منهما حُكْماً وعلماً، وقالا: " وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ "، وكانا قد حكما في حَرْثٍ نَفَشَتْ فيه غنم القوم، فَفَهَّم ربُّنا تبارك وتعالى الحُكْمَ سليمان، كما حصل تارةً أخرى؛ حين اختصمتِ امرأتان، عدا الذئب على ولد إحداهما، فأكله وهما عنه غافلتان، وكانت الكبرى منهما أَلْحَنَ بحجتها من الصغرى، فقضى داوود لها بالولد، غير أن سليمان قال: أرى أن أشُقَّه بالسيف بينهما نصفين، فرضيت الكبرى بذلك، بينما قالت الصغرى: لا تفعلْ يرحمْك الله، هو ولدُها، فعرف من فَرْطِ حرصها على حياته أنه ابنُها، فقضى به للصغرى، خاصة وأن الأخرى قد قابلت اقتراح شَقِّه نصفين بالقبول والرضا. 

وحسبنا أن الله جل جلاله قد فضَّل بعض النبيين على بعض، وأنه رفع بعضهم درجات، كما رفع بعض الناس فوق بعضٍ درجات، حتى يكون بعضهم أَخْلَقَ من بعض بالولايات، وخاصة عندما تَخْلَقُ إدارة بعضهم، ويلزم تحريكه؛ فإن الماء إذا سال طاب، وإذا رَكَدَ أَسِنَ، وعافته النفوس. 

 

وسبحان الله الخافض الرافع، وكلَّ يوم هو في شأن

الانتصار على اليهود سُنَّةٌ في الوجود الانتصار على اليهود سُنَّةٌ في الوجود
مشاهدات : 549 ، بتاريخ : 2015-11-28

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .