الأبطر من العسكر هم الأخطر، ولكنهم الأبتر

  • بتاريخ : 2016-07-27
  • مرات القراءة : 698
الأبطر من العسكر هم الأخطر، ولكنهم الأبتر

في رحاب آية 

د. يونس الأسطل 

  

( الأبطر من العسكر هم الأخطر، ولكنهم الأبتر) 

  

[رمز] وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ  [رمز] 

الأنعام (123) 

انحبستْ أنفاسنا من اللحظة الأُولى التي علمنا فيها باجترار جريمة انقلاب العسكر على حرية الشعب التركي المسلم في اختيار قادته وخادميه بالتداول السلمي للسلطة والحكم، وقد مضى على حزب العدالة والتنمية صاحب الفكر الوسطي عقدٌ ونصف تقريباً وهو في الحكم، استطاع فيها أن ينتشل الأتراك من الحضيض في الاقتصاد والسياسة، بل والفساد في جوانب الحياة المختلفة، ولا زال مستمراً في صعوده بما يبشِّر أن تعود تركيا إلى صدارة القيادة في الأمة الإسلامية كما كانت لأكثرَ من أربعة قرونٍ قبل أن يأتمر بها الغَرْبُ والعُرْبُ أو الأعراب، فيطيحوا بالخلافة، ويذهبوا في تغريب الحياة إلى درجة التضحية بالكرامة والحياء، وبأبشعَ من مجتمع القطيع في أوروبا، وأمريكا، وكثير من شعوب الأرض الذين رَضُوا بالحياة الدنيا، واطمأنوا بها، فكانوا ممن يحبون العاجلة، ويَذَرُون الآخرة، ومَنْ أعرض عن ذكر ربِّه فإن له معيشةً ضنكاً، ويسلكه عذاباً صَعَداً. 

غير أنه لم يَمْضِ أكثر من ثلاث ساعاتٍ حتى زُفَّت أنباء فشل الانقلاب بِسَحَر، ومع بزوغ الفجر الصادق كان الشعب الفلسطيني، وجماهير الأمة الإسلامية؛ بل وأحرار العالم، يبتهجون مع المعارضين قبل الموالين من الأتراك، بأنباء القضاء على الانقلاب، ويعود السرُّ في ذلك بعد فضل الله وعونه- إلى القيادة التي أُوتيت بسطة في العلم والإدارة، فقد استنفرت الشعب؛ لينزل إلى الشوارع، ويمنع العسكر من قهره وكتم أنفاسه، بعد أنِ اكتوى بهم فوق سبعة عقود، وما هي إلا دقائق معدودة حتى رأينا الشباب يمتطون الدبابات، أو يعترضون طريقها بالسيارات، ولم يرعبهم وابلُ الرصاص، ولا قصفُ الطائرات؛ بل وساهموا بنصيبٍ عظيم في القبض على كثير من الضباط، وبعض قادة الانقلاب. 

إن الاستطراد في وَصْفِ ما حدث، وما انكشف من أسراره وأخباره، يطول، ولذلك فإني ذاهب إلى تأصيل بَوار مكر العسكر، ومَنْ وراءهم من القوى الدولية والإقليمية من خلال آية المقال وأخواتها. 

إن الله عز وجل يخبرنا بها أنه لا تخلو قرية؛ أيْ مدينة أو بلد، من مجرمين، وأن أكابر المجرمين يحيكون المؤامراتِ فيها بدين الله، وبأوليائه، وأنبيائه، وأن عاقبة ذلك المكرِ السيِّءِ لا تحيق إلا بأهله، ولكنهم لا يشعرون؛ فإن الغرور بالكيد المحكم يجعلهم واثقين من أنهم لو أرادوا أن يُزيلوا الجبال؛ فإنها لا تستعصي عليهم؛ وفاتهم أن الله عز وجل له المكرُ جميعاً، وأنه آتيهم من حيث لم يحتسبوا، وقاذفٌ في قلوبهم الرعب، فإذا بهم قد حاق بهم مكرهم، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، وسيصيبُ الذين أجرموا صَغَارٌ عند الله، وعذابٌ شديدٌ بما كانوا يمكرون، كما في الآية التالية لآية المقال. 

إن من تطبيقات ذلك في التاريخ أن قوم نوحٍ قد مكروا مكراً كُبَّاراً، فأضلوا كثيراً، وأمْسَوْا لا يلدون إلا فاجراً كَفَّاراً، حتى دعا ربَّه أني مغلوب فانتصر، فأُغرِقوا وأدخلوا ناراً. 

وأما قوم عادٍ فقد استكبروا في الأرض بغير الحق، وقالوا من أشدُّ منا قوة، وكانوا إذا بطشوا بطشوا جبارين، فلم يكونوا محتاجين أن يكيدوا مع الكائدين. 

وأما ثمود فقد كان فيهم تسعةُ رَهْطٍ يُفسدون في الأرض ولا يُصلحون، وكانوا مُسرفين في ذلك، وقد تقاسموا بالله تحت جُنح الليل أن يستأصلوا صالحاً وأهله، ومَنْ آمن معه، بعد أن عقروا الناقة، وعَتَوْا عن أمر ربِّهم، فقيل لهم: تمتَّعوا في داركم ثلاثة أيام، فازدادوا بذلك رِجساً إلى رِجْسهم، ولما جاء أمر ربك نجَّى الذين آمنوا وكانوا يتقون،  وأرسل عليهم صيحةً واحدةً، فكانوا كهشيم المحتظِر، أيْ كالقشِّ المُفَتَّتِ تحت أقدام الدوابِّ في الحظائر، قريباً من مشهد العصف المأكول، وقال فيهم ربُّنا جل جلاله: " وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ . فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ . فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا .." النمل (50-52) 

وهكذا الشأن في بني إسرائيل مع أنبيائهم، وآخرهم عيسى بن مريم، فقد مكروا به ليقتلوه، فمكر الله بهم، وأَلْقى شَبَهه على قائد فرقة الموت، فقتلوه زاعمين؛ بل مفترين أنهم قتلوا المسيحَ بنَ مريمَ رسول الله، مع ما في ذلك من سُوء الأدب مع الله، فباؤوا بغضبٍ على غضب، وضُربت عليهم الذلة والمسكنة، ولُعنوا على لسان داوودَ وعيسى بنِ مريم، إلا من آمن وعمل صالحاً منهم، وقليلٌ ما هم. 

وأما قريشٌ فقد مكروا بخاتم النبيين، لِيُثْبِتوه، أو يقتلوه، أو يخرجوه، لكنهم لم يلبثوا خِلافه إلا قليلاً حتى انتقم ربُّهم منهم بالبطشة الكبرى، وقد مكر الذين من قبلهم، فأتى الله بُنْيانَهم من القواعد، فَخَرَّ عليهم السقف من فوقهم، وأتاهم العذاب من حيثُ لا يشعرون. 

إن العسكر في تركيا وغير تركيا ليسوا بِدْعاً في التاريخ، ولا في منأىً عن سُنَّةِ الله في الأولين، فإمَّا عَجَّلَ لهم خِزْيَهم في الحياة الدنيا، كما حصل لأذناب الصليب والغرب في تركيا، وإما أمهلهم قليلاً؛ ليزدادوا إثماً، فيأخذهم أَخْذَ عزيزٍ مقتدر، كما في الساحات العربية، لكنهم آتيهم عذابٌ غيرُ مردود، لا رَيبَ فيه، وكلٌّ آتٍ قريب، وإذا كان عذاب الآخرة قريباً فما بَالُكمْ بالعذاب الأدنى دون العذاب الأكبر؟!. 

إن الانقلاب الفاشل قد كان نعمةً من أَنْعُمِ الله التي أهداها لتركيا والأمة، حتى لا تقوم للعسكر، ولا لذئاب الدولة العميقة أو كلابها قائمة، وحتى يعلم أشدُّ الناس عداوةً للذين آمنوا من الصهاينة، والأمريكان، والعربان؛ بل والثقلان، أيَّ منقلبٍ ينقلبون، حين ينقلبون على حرية الشعوب وكرامتها بخونة العسكر، أو بالداعشيين وهم أَخطر، وإن شَانِئك هو الأبتر. 

  

والله من ورائهم محيط 

 

في الحج زاد للدعاة الذين يريدون وجه الله في الحج زاد للدعاة الذين يريدون وجه الله
مشاهدات : 780 ، بتاريخ : 2013-03-10

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .