أهل القرآن والمجاهدون في سبيل الله صِنْوان في نعيم الجِنان

  • بتاريخ : 2016-07-13
  • مرات القراءة : 729
 أهل القرآن والمجاهدون في سبيل الله صِنْوان في نعيم الجِنان

في رحاب آية 

د. يونس الأسطل 

  

( أهل القرآن والمجاهدون في سبيل الله صِنْوان في نعيم الجِنان) 

  

[رمز] ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ  [رمز] 

فاطر (32) 

انقضى شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن، وقد ازدادت فيه التلاوة والإيمان، وإننا لنرجو أن نكون قد أدركنا أن حاجتنا إلى القرآن أشدُّ من افتقارنا إلى الطعام والشراب الذي هو قوام حياتنا؛ بل إنها أكبر من ضرورة الهواء الذي نَتَنَفَّسه، وقد نَعَتَه ربُّنا بالرُّوح من أمره الذي نزل به الروح الأمين، فدلَّ على أنه روحنا التي بها نحيا، كما وصفه بالنور الهادي إلى صراط مستقيم؛ فقال سبحانه: 

" وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " الشورى (52) 

ولا غرابة إذاً أن يكون أهل القرآن الذين أُورثوا الكتاب هم المُصْطَفَيْنَ من عباد الله، وأن ذلك الاصطفاء ليس قاصراً على السابقين بالخيرات؛ بل يشمل من كان ظالماً لنفسه، أو كان مقتصداً في الطاعة، ما داموا موقنين أن القرآن هو الحقُّ مصدقاً لما بين يديه، وأنهم يرجون بتلاوته، والاهتمام به، تجارة لن تبور، وهذا ما أشارت إليه آية المقال وسياقها السابقُ عليها. 

فأما الظالم لنفسه فهو الذي خلط عملاً صالحاً وآخرَ سيئاً، عسى الله أن يتوب عليه، وقد يصل إلى التدنُّسِ بالكبائر، سواء كانت قرباناً لحدود الله المحظورة، أو تعدياً لحدود الله المفروضة، لكنه ممن إذا مسَّهم طائفٌ من الشيطان تذكَّروا؛ فإذا هم مبصرون، وممن إذا فعلوا فاحشةً، أو ظلموا أنفسهم، ذكروا الله، فاستغفروا لذنوبهم، ولم يُصِرُّوا على ما فعلوا وهم يعلمون، وتاب الله عليهم ليتوبوا؛ إن الله هو التواب الرحيم. 

وأما المقتصد فهو كالأعرابي الذي سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الفرائض، فلما أُخْبِرَ بها أقسم بالله ألَّا يزيد على ذلك شيئاً، فقال عليه الصلاة والسلام: "أفلحَ الأعرابيُّ إنْ صدق"، وكذلك الحال في النواهي؛ فإنه يجتنب الكبائر، ولا يتورَّع من الصغائر، غير أنه أفضل حالاً ومآلاً من السابق عليه، وإن كان أدنى بكثيرٍ من السابق بالخيرات. 

وأما هذا؛ فإنه المتزود بالنوافل مع الفرائض، التارك للمكروهات والمحرمات على حَدٍّ سواء، فهو مع السَّفَرةِ الكرامِ البَرَرة؛ فإنه لا يلتفت إلى درجة التكليف؛ إنما ينظر إلى رضوان المكلِّف، وقد أخفى ربُّنا رضاه في الطاعات؛ لنجتهد فيها جميعاً، كما أخفى سَخَطَه في المعاصي، لنبالغ في التحرز منها؛ حتى لا تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون؛ فإن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يُلقي لها بالاً يُرْفَعُ بها الدرجات، وقد يتكلم بالكلمة من سَخَطِ الله، لا يُلقى لها بالاً يُخسف بها الدركات. 

وأما السياق اللاحق لآية المقال فقد فسَّر الفضل الكبير فيها بقوله تبارك وتعالى: " جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ " الآية (33) 

وقد عُدَّت هذه الآيات من مواضع الرجاء في القرآن؛ فإن (واو) الجماعة في قوله: (يدخلونها) تشمل الأصناف الثلاثة؛ الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات، كما شملهم الاصطفاء، وقد قيل: حُقَّ لهذه الواو أن تُكْتَبَ بماء العينين؛ فإنه إذا كان الظالم لنفسه يدخل جنات عدنٍ فما بالكم بالمقتصد؟!، وفي أي الدرجات يكون السابق بالخيرات؟!، جعلنا الله وإياكم ممن يسارعون في الخيرات، وهم لها سابقون. 

وإنه لمن المفيد أن أَشُدَّ الانتباه إلى أن جزاء المصطفَيْنَ بوراثة الكتاب هؤلاء هو عين ما وعد الله به المقاتلين البدريين، والذين اتبعوهم بإحسان، فكانوا ممن آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله يرجون رحمة الله، وقد نصَّ على ذلك الجزاء في سورة الحج وهو يحدثنا عن الفريقين في بدر بأنهما خصمان اختصموا في ربهم، وقد بدأ بوعيد المشركين، ثم ثَنَّى بأجر المجاهدين، فقال: 

" إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ " الآية (23) 

ولعل السرَّ في هذا أن أهل القرآن هم الذين يجاهدون في الله حقَّ جهاده؛ فإن القرآن يُحَرِّضُ المؤمنين على القتال، فيذكر جرائم الكفار والمنافقين، كما ينصُّ على منكرات الذين كفروا من أهل الكتاب، حتى لا يبقى في قلوبنا مَوَدَّةٌ للحربيين، ويَعِدُنا بقتالهم أن يعذبهم بأيديكم، وأن يخزيهم، وينصركم عليهم، ويشفي صدور قوم مؤمنين، وأن يذهب غيظ قلوبهم بالقتل، أو التوبة على من يشاء؛ فإنه حين ينصركم الله وأنتم أذلة يُحِقُّ الحقَّ، ويبطل الباطل، فيهلك مَنْ هلك عن بَيِّنةٍ، ويحيى مَنْ حَيَّ عن بينةٍ؛ لئلا يكون للناس على الله حجةٌ بعد أن ينصركم وأنتم قليل مستضعفون في الأرض، تخافون أن يتخطفكم الناس، أو تخافون عَيْلَةً، فيغنيكم الله من فضله، وقد يُفِيءُ عليكم من أهل القرى بالرعب، دون إيجاف خيلٍ أو ركاب. 

فاللهَ اللهَ في القرآن؛ لتكونوا ممن يأخذون الكتاب بقوةٍ، ويذكرون ما فيه، ويأمرون قومهم أن يأخذوا بأحسنه، ولا تكونوا ممن اتخذ هذا القرآن مهجوراً، ولا ممن اتخذوه وراءهم ظِهْرِياً؛ فإن أعداءكم قد قالوا: لا تسمعوا لهذا القرآن، والْغَوْا فيه لعلكم تغلبون، كما جزموا بأنهم لن يؤمنوا بهذا القرآن، ولا بالذي بين يديه، فبدَّلوا نعمة الله كفراً، وأَحَلُّوا قومهم دار البوار، والعياذ بالله تعالى. 

  

  


التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .