الصوم مُصابرةُ الظمأِ والجوع التي تُورثُ الرجوع بالنصرِ والرُّيُوع

  • بتاريخ : 2016-06-20
  • مرات القراءة : 909
الصوم مُصابرةُ الظمأِ والجوع التي تُورثُ الرجوع بالنصرِ والرُّيُوع

في رحاب آية 

د. يونس الأسطل 

  

( الصوم مُصابرةُ الظمأِ والجوع التي تُورثُ الرجوع بالنصرِ والرُّيُوع ) 

  

[رمز] وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ  [رمز] 

البقرة (155) 

جاء في الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد استغاث ربَّه تبارك وتعالى لأصحابه البَدْرِيين، فقال: "اللهمَّ إنَّهم جِياعٌ فَأَطْعِمْهم، عُراةٌ فَاكْسُهم، حُفاةٌ فَاحْمِلْهم.."، وقد استجاب له ربُّه فآواهم، وأيَّدهم بنصره، ورزقهم من الطيبات؛ لعلهم يشكرون، وعوَّضهم بالغنائم عمَّا فاتهم من طائفة العير، غير أنهم لما اختلفوا في الأحقِّ بها نزعها من أيديهم، فإن رأس المال الحقيقي هو الأُخُوَّةُ والقلوب المؤتلفة، فلا يتنازعون، فيفشلون، وتذهب ريحهم، ولمَّا أصلحوا ذاتَ بينهم منحهم أربعة أخماسها، وقد عاتبهم كذلك على إيثار الفداء للأسرى على الإثخان في الأرض؛ إذْ به تضع الحرب أوزارها، ويتوقف العدوان، ولو قُتِل الأسرى يومها لاسترحنا من عواقب أُحُدٍ والخندق، وربما أَدَّى ذلك إلى التعجيل بفتح مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجاً. 

وأما في معركة الأحزاب فقد عضَّهم الجوع البالغ وهم يحفرون الخندق، ثم يرابطون وراءه بما ينيف عن خمسين يوماً من البأساء والضراء والزلزلة، حتى رأيتهم يربطون الحجارة على بطونهم، وكان أشدَّهم جُوعاً رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد كشف لهم عن بطنه؛ فإذا هو ربط حجرين، وكان عاقبة أمرهم أنْ رَدَّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال، ثم أنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم، وقذف في قلوبهم الرعب؛ فريقاً تقتلون، وتأسرون فريقاً، وأورثكم أرضهم، وديارهم، وأموالهم، وأرضاً لم تطؤوها. 

ثم زحفوا إلى الحديبية بثياب الإحرام في مسيرةٍ سلميةٍ لكسر الحصار، وانتزاع حَقِّهم في الوصول إلى الحرم، وأداء شعائر العمرة، وحين صَدُّوهم عن المسجد الحرام، وطال المقام، نَفِذَتْ أزوادهم وجاعوا، فبعث الله جلَّ جلاله شيئاً من الصيد يحوم حول معسكرهم، وتناله أيديهم ورماحهم؛ ليعلم الله من يخافه بالغيب، ولما كان قد حرَّم عليهم صيد البَرِّ ما داموا حُرُماً، كما أن الحرم مَنْ دخله كان آمناً؛ فإن أحداً منهم لم تُسَوِّلْ له نفسه القبض على ذلك الصيد، واحتملوا الجوع، وكانت النتيجة أن فتح الله لهم فتحاً مبيناً، ونصرهم نصراً عزيزاً، ورضي عن المؤمنين إذْ يبايعون نبيَّهم عليه الصلاة والسلام على الثبات في الميدان، والثأر لدم عثمان، تحت شجرة الرضوان، وقد انتصروا بالرُّعْبِ، ومال المشركون إلى الصلح، وتفرَّغوا بذلك لخيبر، وما أدراك ما نبأ خيبر!!. 

لقد طال حصار حصونها الثمانية، فكان أن غزاهم الجوع، فأصابوا بعض الحُمُرِ الأهلية ليهود، ولم تكن قد حَرُمَتْ بعد، فما رَاعَ النبيَّ عليه الصلاة والسلام إلا ألسنة النيران تحت القدور وهي تفور، فلما علم أنها حُمُرِ إنسيَّةٌ أمَرَ بإكفاء القدور، وإنَّ أجوافهم لتغلي من الجوع، ولم يُسَجِّلِ التاريخ أنَّ واحداً منهم قد أخذ نهشةً منها، أو احتسى شيئاً من المرق، وقد باتوا على الطوى، ثم فُوجئوا في الأيام التالية بتحريم نكاح المتعة، فما ابتغى أيٌّ منهم وراء ذلك؛ لئلا يكونوا من العَادِين. 

هذه فضلاً عن الظمأ، والنصب، زيادةً على المخمصة، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضَعُفُوا وما استكانوا، حتى إنهم في بعض السرايا كان نصيب بعضهم في اليوم تمرةٌ واحدة، كلما آلَمَه وَخْزُ الجوع أخذ منها مصةً أو مصتين، وشرب عليها الماء، يكرِّر ذلك كلَّ بضع ساعات حتى أنجزوا ما كُلِّفوا به، ثم قفلوا عائدين بما نالوا من نصر وغنيمة. 

وقد حُوصر بضعٌ وعشرون نفساً من المجاهدين في نفق بمنطقة القرارة في الحرب الأخيرة في رمضان عام 2014م، ولم يكن معهم إلا القليل من الماء والتمر، فكان إفطار الاثنين على تمرةٍ واحدة، وسحورهم على أخرى، ومكثوا كذلك فوق عشرين يوماً، ثم أنجاهم ربُّهم من الموت، وكذلك يُنجي المؤمنين. 

إن عمر بن الخطاب روى أنهم عندما خرجوا لغزوة تبوك نزلوا منزلاً، فأصابهم فيه عطش شديد، حتى كادت أعناقهم تَنْدَقُّ، حتى إن أحدهم ليذبح جَزوره، ما به حاجة إلى لحمه، إنما يأخذ من فَرْثِه، ويعصر ماءه، ويجعله على كبده من شدة الحرِّ، فلما تضرَّع النبيُّ صلى الله عليه وسلم لربِّه، واستسقى لأصحابه؛ أنزل عليهم ماءً من السماء لم يجاوز العسكر، فشربوا وملؤوا أوعيتهم، وكانت النتيجة أن هزم الله الروم بالرعب مسيرة شهر، فَوَلَّوْا مدبرين، وأبرم النبيُّ عليه الصلاة والسلام عقد الجزية مع النصارى العرب، ورجع غانماً منتصراً، دون أن تُسْتَلَّ السيوف. 

وهنا نتساءل: هل كان للصحابة رضي الله عنهم أن يُسَجِّلوا كلَّ تلك المواقف في الصمود أمام هجوم الجوع والظمأ لولا أنهم يأخذون في كلِّ عام دورةً تدريبية بصيام أيامٍ معدودات، هي شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن، ثم يُتْبِعونها بستةٍ من شوال، وقد لا يقتصرون بعد ذلك على الثلاثة البيض من كلِّ شهر؟!. 

إن آية المقال تجعل الابتلاء بشيء من الخوف والجوع، ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات أمراً حتمياً مشفوعاً باليمين، وتبشِّر الصابرين بالأجر العظيم في الآخرة، وإنما يُوَفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب، وبالنصر المبين في الدنيا الذي يزول معه الخوف والجوع، والنقص من الأموال والثمرات، وأما الأنفس فما كان لنفسٍ أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون. 

إننا اليوم في أمسِّ الحاجة إلى هذا الدرسِ، درسِ الصمود أمام هجوم الجوع ونقص الأموال والثمرات؛ بسبب الحصار على غزة الذي اقتحم عامه الحاديَ عشرَ، ولكنه قد آذن بزوال أمام إصرار الأتراك على كسر الحصار بأموالهم وخُبرائهم، وإن غداً لناظره قريب. 

  

ومن يتق الله يجعلْ له مخرجاً، ويرزقْه من حيث لا يحتسب 

 

الإلمام باليسير من أسرار آيات الصيام الإلمام باليسير من أسرار آيات الصيام
مشاهدات : 879 ، بتاريخ : 2013-03-9

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .