التفريط في بعض حقوق الأسرى يوجب الخزي في الدنيا، وأشد العذاب في الأخرى

  • بتاريخ : 2016-05-4
  • مرات القراءة : 559
التفريط في بعض حقوق الأسرى يوجب الخزي في الدنيا، وأشد العذاب في الأخرى

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( التفريط في بعض حقوق الأسرى يوجب الخزي في الدنيا، وأشد العذاب في الأخرى )

 

] ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  [

البقرة (85)

بمناسبة يوم الأسير الفلسطيني أقفُ عند هذه الآية التي تخبرنا بنقض اليهود لبعض ما أخذه ربُّهم عليهم من الميثاق في شأن الأسرى؛ ذلك أنها نزلت بشأن طوائفهم في المدينة؛ حين توزَّعوا في وَلَائِهم بين الأوس والخزرج، ولم يتورَّعوا عن التحريش بين القبيلتين؛ حتى تنشغل إحداهما بالأخرى، فلا يجتمعوا على مجابهة اليهود المفسدين في الأرض؛ أشبهَ ما يكون بإغراء العداوة والبغضاء بين الفصائل الفلسطينية اليوم، فإذا وصل الشَّحْن إلى حدِّ الاقتتال وقف بنو قينقاع وبنو النضير مع الخزرج، واصطفَّ بنو قريظة مع الأوس، ويتمخض الاشتباك عن قتلى وأسرى من الفريقين، ويكون بعض القتلى قد سقطوا بأسياف إخوانهم من اليهود، وكذا القبض على الأسرى، فإذا هدأت الحرب سعى اليهود جميعاً في فكاك أسراهم، وهذا فيه إيمان ببعض التوراة، وهو وجوب تخليص الأسرى، ولو بافتدائهم بالمال، وفيه كفرٌ ببعضها الآخر، وهو تحريم اعتقالهم ابتداءً.

وقد حصرت الآية جزاء من يفعل ذلك منهم في نوعين من العقاب؛ خزيٌ في الحياة الدنيا، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب؛ وإذا كان هذا جزاءَ من جحد بعض أحكام الأَسْرِ، والْتزم ببعضها الآخر؛ فماذا عساه يكون عقاب من جحدها جميعاً، فهم يطاردون من يقاوم الاحتلال، فيعتقلونهم في أحواشهم الخاصة، أو يتعاونون مع الاحتلال بالوشاية والتجسس، لِيُمْسُوا في حظائره وزنازينه، ولا يكادون يحركون ساكناً فيما يخصُّ تحريرهم من قبضته، وكيف يفعلون ذلك ما دام فكُّ وَثَاقِهم يتنافى مع التعهد بأمن الاحتلال، وقد يُفضي إلى تقويض مشروع السلطة، وإلى إقدام الصهاينة على عقابهم لعجزهم عن الوفاء بما عاهدوا اليهود عليه؟!!.

إن ما أريد التنبيه عليه في هذا المقال هو أن أزلام السلطة لن يفلتوا من خزي الدنيا قبل أن يُرَدُّوا إلى أشدِّ العذاب في الآخرة، وهل هناك خِزْيٌ أكبر من أن يَرْتَدُّوا عن النضال لتحرير فلسطين إلى السهر على أمن الاحتلال؛ ليتمكن من تهويد كلِّ فلسطين؟!، أليس الاشتراك في حصار غزة، والعدوان عليها، والابتهاج بمصائبها من الخزي في الدنيا ؟!، وإلَّا فبم تُفَسِّرون التعزية في قتلى اليهود بوفد وضيع المستوى، والقبول بتبريك الحاخامات لزعيم السلطة، وزعمه بأنه لا يخلو يوم إلا ويستمع فيه لبعض المطربين العظماء من الصهاينة –على حدِّ تعبيره-؟!.

ولعل ما ينتظرهم من الخزي الوشيك في الضفة الغربية يُجَلِّي مراد الله بهذه الآية أوضحَ ما يكون؛ فإن انتفاضة القدس ذاهبة لاستنساخ تجربة غزة في كنس الاحتلال، والقضاء على الفلتان، ويومها سيكون أزلام أوسلو بين مطرقة المقاومة وسندان الاحتلال، فالمقاومة تقتصُّ من سياسة الاعتقال والاغتيال، والاحتلال يعاقب الفاشلين العاجزين عن توفير أمنه إلى يوم الوقت المعلوم، رغم أنهم قبضوا المليارات لا الملايين!!.

إنه مهما كان خزي الدنيا عظيماً أو مهيناً، أو أليماً؛ فإنه لا يقاس بعذاب الآخرة، فكيف بأشدِّ العذاب؛ كما في وعيد آية المقال؟!، ولذلك فإني بصدد ذكر بعض تفاصيله في بنود خمسة، فهاؤم اقرؤوا كتابيه:

1.  أما جهنم فهي زنانين ضيقة، تجعل من بين أيديهم سَدَّاً، ومن خلفهم سَدَّاً، فأغشيناهم، فهم لا يُبصرون، وإنها عليهم مؤصدة، في عَمَدٍ ممدَّدة؛ أيْ في أسطوانات مجوَّفة، كما جعلنا جهنم للكافرين حصيراً.

2.  وأما آلاتُ التعذيب فهي أغلالٌ تضمُّ الأيدي إلى الأعناق، فهي إلى الأذقان، فهم مُقْمَحُون؛ أيْ أن أبصارهم شاخصة إلى أعلى، فلا تطيق من الأغلال أن تنظر أسفل منها، وتراهم أيضاً مُقَرَّنينَ في الأصفاد، سَراَبيلُهم من قَطِران، وتغشى وجوههم النار، يوم لا يَكُفُّونَ عن وجوههم النار، ولا عن ظهورهم، ولا هم يُنصرون، كما أن كثيراً منهم يُسْلَكُ في سلسلةٍ ذَرْعُها سبعون ذراعاً، كأنهم حَبَّاتُ السبحة، أو خَرَزُ العقد في الجيد أو العُنُق، فإذا انضاف إلى ذلك مقامعُ من حديدٍ بأيدي ملائكةٍ، بل زبانيةٍ غلاظِ الخُلُق شِدادِ الخَلْق، في غاية الحَنَق على الذين كفروا وصَدُّوا عن سبيل الله، وشاقُّوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى، واتبعوا غيرَ سبيل المؤمنين، بل عَادَوْا أولياء الله، وَوَالَوْا أعداءه، يبتغون عندهم العزةَ والمال والبغاء.

3.  أما طعامهم فَأَوَّلهُ الزَّقُّوم، وهو شجرة تحرج في أصل الجحيم، طَلْعها –أيْ ثمرها- كأنه رؤوس الشياطين، أيْ رؤوس الثعابين، وثانيه الضَّريع، وهو شوكٌ يابسٌ يقف في الحلقوم، فيكون ذا غصة وعذاباَ أليماً، والثالث الغِسْلين، فإنه لا يأكله إلا الخاطؤون الآثمون.

4.  وأما الأشربة فأولها الحميم، وثانيها المُهْل، وثالثها الصَّديد، فأما الحميم فإنه يُقَطِّع الأمعاء، وأما المُهلُ فإنه يشوي الوجوه، وأما الصديد فإنهم يتجرعونه، ولا يكادون يُسيغونه، ويأتيهم الموت من كلِّ مكانٍ، وما هم بميِّتين، ومن ورائهم عذاب غليظ.

5.  إن الذي يَصْلى النار الكبرى لا يموت فيها ولا يحيى، وإن الذي يأتي ربِّه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى، فإنهم كلما نضجت جلودهم بَدَّلْناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب، فضلاً عن الزفير والشهيق الذي يشبه النهيق، وإن أنكر الأصوات لصوت الحمير، فهم يصطرخون فيها؛ ربَّنا أخرجنا نعملْ صالحاً غير الذي كنا نعمل، ويقال لهم: اخسؤوا فيها ولا تكلِّمون، ولا تَدْعُوا اليوم ثبوراً واحداً، وادْعُوا ثبوراً كثيراً.

فيا ويحَ من فَرَّط في حقوق الأسرى من خزي الدنيا، ويا ويلَ من أفرط في التعاون الأمني، فشارك في قتل إخوانه وأسْرِهم، فويلٌ لهم مما كتبت أيديهم، وويلٌ مما يكسبون، وعسى أن يتوبوا، ويؤمنوا، ويعملوا عملاً صالحاً، فيبدِّل الله سيئاتهم حسناتٍ، وكان الله غفوراً رحيماً، ولكن هيهات هيهات؛ فإن ربك شديد العقاب، وسريع الحساب.

 

والعياذ بالله تعالى من سُوء المآب

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .