اجتراحُ المحكمةِ الدستورية دَرَكَةٌ سحيقةٌ في سِجِّين السياسةِ الاستبدادية

  • بتاريخ : 2016-04-18
  • مرات القراءة : 444
 اجتراحُ المحكمةِ الدستورية دَرَكَةٌ سحيقةٌ في سِجِّين السياسةِ الاستبدادية

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( اجتراحُ المحكمةِ الدستورية دَرَكَةٌ سحيقةٌ في سِجِّين السياسةِ الاستبدادية )

 

] قَالُوا: إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى . فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى  [

طه (63، 64)

 من أوائل السبعينات بدأ ظهور الحركة الإسلامية في الساحة الفلسطينية، وطفق بعض شبابها يدخلون السجون، في الوقت الذي كان معظم المعتقلين من اليسار الإلحادي، أو من العلمانيين الذين لا يرجون لله وقاراً، وقد لقي أبناء الحركة الإسلامية عَنَتاً واضطهاداً من أوائل المناضلين –كما ينعتون أنفسهم-، وبالأخص المنتسبون إلى حركة فتح، ما بجعل معاناتهم من زملائهم في السجون أشدَّ وأنكى من تعذيب الصهاينة، خاصة وان قياداتِ تلك الفصائل قد تخوَّفت من تأثير المشايخ على عناصرهم، فما كان منهم إلا أن قاموا بتعبئتهم بأن تنظيم الإخوان ليس إلا صنيعةً للمخابرات الصهيونية لضرب الحركة الوطنية، ومن عجبٍ أن هذه الفرية لا زالت تُعَشِّشُ في أدمغة كثير منهم، وأن بعضهم لا زال في ضلاله القديم، رغم ما ألحقته الحركة الإسلامية بالاحتلال من هزائم وخسائر منذ انتفاضة المساجد، وأشبال الحجارة، إلى العصف المأكول.

ولستُ أدري كيف يظلُّ شطر الشعب الفلسطيني مصفقاً لتلك القيادة التي كانت هي المسؤولة أمام الله أولاً، ثم أمام الشعب والأمة عن إيصالنا إلى حافة الصدام مع الجيش الأردني، وذهاب فوق عشرين ألف شابٍ ضحيةً لتلك الفتنة التي جاءت لإنقاذ الاحتلال من خطر تنامي المسلحين في الضفة الشرقية، لاسيما بعد أن برزت ظاهرة قواعد الشيوخ، وقيامهم بعملياتٍ نوعيَّة، ألحقت خسائر حقيقية بالاحتلال!!.

لقد كان حَرِيَّاً بالقيادة أن تعتزل في أضعف الإيمان، أو أن تُقَدَّمَ لمحاكمةٍ عادلةٍ لاستدراج تلك الألوف إلى حتفها، غير أنها لملمتْ مَنْ أفلتَ من الذبح أو الشبح، وكُتِبَ عليها الجلاء إلى الساحة اللبنانية؛ لتواجه بعد ستِّ سنين مذبحةً أخرى في صدامٍ مع القوات السورية المهيمنة هناك، لاسيما في تل الزعتر، وجبل لبنان، وغيرها، ولكنَّ الله سلَّم، فلم تَفْنَ القوات الفلسطينية، ولم يحدث الجلاء؛ انتظاراً لعام 1982م يوم انتهز الصهاينة خروج مصر من ساحة المجابهة معهم باتفاقية (كامب ديفد)، فتفردوا بالجبهة اللبنانية، ولم يكتفوا بترحيل المقاومة؛ بل أبادوا المدنيين في المخيمات، وكانت تلك هي المجزرة الثالثةَ التي يتورط فيها الشعب الفلسطينيُّ المشرَّدُ في الشتات تحت ظلٍّ من يَحْمُومٍ لنفس القيادة، ثم تَفَرَّقوا أيادي سبأ في الساحات العربية بعيداً عن دول الطوق المحيطة بفلسطين.

وحين اشتعلت الانتفاضة الأُولى سُقِط في أيدي الصهاينة، ورأوا أنهم قد تورطوا في المجابهة الداخلية، بعد أن ظنوا أن القضاء على الجبهة الخارجية قد أراحهم حتى حين، وقد امتدت تلك المقاومة سبع سنين، ولم يفلح الاحتلال في إطفاء لهيبها إلا باتفاقيةٍ فرديةٍ سرية، اشتهرت باتفاقية أوسلو، وهي قائمة على الاعتراف بشرعية الاحتلال، وحَقِّه في امتلاك أربعة أخماس فلسطين، وأن الخمس الباقي تحت طائلة التفاوض، فهو أراضٍ متنازعٌ عليها، وأن أزلام أوسلو يتعهدون بوقف الانتفاضة، والتعاون الأمني مع الصهاينة، لملاحقة المقاومة، وتهيئة الشعب الفلسطيني للتخلي عن المقاومة والتحرير، بل والقبول بالتطبيع والاندماج في الشعب اليهودي.

وقد شاء الله بعد سبع سنين من توقيع تلك الاتفاقية في أوسلو التي كانت ألعنَ من وعد (بلفور) أن تشتغل انتفاضة الأقصى من جديد، وأن تتطور في امتلاك السلاح والحديد، وقد ظهر عجز الفريقين عن منع تصاعدها، حتى أفضتْ إلى جلاء الاحتلال عن قطاع غزة، ومن يومها اتجه التفكير إلى دمج المقاومة في السلطة عبر الانتخابات التشريعية، لوقف المقاومة بقرارٍ سياسي، ثم مطاردة المقاومين وحماس باسم الشرعية، فلما جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن؛ كان الانقلاب على نتائجها بالامتناع عن المشاركة في الحكومة، وتفريغ المجلس التشريعي من جوهر واجباته، وإذكاء الفوضى والفلتان، حتى إذا أوشكت المقاومة على وَأْدِ الفلتان؛ كان التداعي إلى مكة باسم الشراكة؛ للاستيلاء على الوزارات المهمة، والْتقاطِ الأنفاس لجولةٍ جديدةٍ من الفلتان، حتى إذا تَمَّ القضاء المبرم عليه، سواء كان صادراً من جهة الأجهزة الأمنية، أو آتياً من جهة بعض العائلات الكبيرة؛ كان العصيان المدني، ثم التفكير في التمرد، بل والتعاون مع الاحتلال في ثلاث حروبٍ دوليةٍ على القطاع المحاصر منذ ظهور نتائج الانتخابات، بالإضافة إلى إفشال كل المساعي الهادفة إلى رأب الصدع، والوصول إلى مصالحةٍ على القواسم المشتركة، وظلت قيادة السلطة وحركة فتح ماضيةً في التفرد بالقرار الفلسطيني، ساعيةً لإخراجنا من المشهد السياسي، ولعل آخر تلك المكائد هو تشكيل المحكمة الدستورية؛ لتكون مرجعية الرئيس والحكومة، ولْيذهب المجلس التشريعي وشرعية حماس إلى وادٍ سحيق.

وبالرجوع إلى آية المقال نجدها تخبرنا عن التهمة الكاذبة التي اختلقها بل اخترقها فرعون، وتلقفها الملأ من قومه، فَاسْتَخَفُّوا بها الناس، فأطاعوهم، وخلاصتها قول فرعون:

" أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى " طه(57)

وحين جاء السحرة قام سيدنا موسى عليه السلام واعظاً فيهم، مخوِّفاً من أنْ يُسْحِتَهم ربُّهم بعذاب، وقد خاب من افترى، وبعد اختلافٍ وتنازعٍ اتفق الجميع سِرَّاً على تبني فرية فرعون، وتخويف الجماهير من أن موسى وهارون إنما جاءا بمؤامرة تفضي إلى إخراج الأقباط من أرضهم تحت تأثير السحر الخادع، وزادوا على إفك فرعون قولهم: " وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى"؛ وكأن الناس يعيشون في ظل أفضل نظامٍ سياسيّ، مع أنه قائم على الاستبداد والفساد، بل وعلى الانقسام، فقد جعل فرعون أهل مصر شيعاً؛ ليتفرد بهم فِرْقةً فِرْقةً.

ولذلك فقد تواصوا أن يَتَناسَوْا خلافاتهم، وأن يُحْكِموا خطة المواجهة، وأن يأتوا صفاً، فالأمر خطير، والمواجهة حامية الوطيس، وقد أفلح اليوم من استعلى، وكانت له الغلبة في المباراة بين السحر الخادع والمعجزة الإلهية.

وقد انتهى الأمر بانحياز السحرة والجماهير إلى الإيمان، ووقع الحق وبطل ما كانوا يعملون، وغُلِبوا هنالك، وانقلبوا صاغرين، وألقى السحرة ساجدين، وهكذا نهاية المراوغين المنحازين إلى العدو من العام السبعين في القرن الماضي، فأنعَم عليهم العرب والغرب بلقب (الممثل الشرعي والوحيد)، يوم جنحوا إلى الحلول السياسية، وكان شرطها إنهاء القوة المسلحة للشعب الفلسطيني.

ولا يفلح الساحر حيث أتى، وما جئتم به السحر، إن الله سيبطله، إن الله لا يصلح عمل المفسدين

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .