اغتيال القادة حياة وشهادة

  • بتاريخ : 2016-03-31
  • مرات القراءة : 605
 اغتيال القادة حياة وشهادة

في رحاب آية 

د. يونس الأسطل 

  

( اغتيال القادة حياة وشهادة ) 

  

[رمز] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ   [رمز] 

آل عمران (21، 22) 

مرَّت بنا الذكرى الثانيةَ عشرةَ لحياة شيخ الانتفاضة في جوار ربِّه، فقد أشرف طاغية العدو على اغتياله بنفسه زاعماً أنه قد شطب ألدَّ أعداء الكيان، ورأس الإرهاب الفلسطيني، ويوشك أن نستقبل ذكرى استشهاد أسد الانتفاضة كذلك الدكتور عبد العزيز الرنتيسي؛ إذْ لم يكن بين شهادتيهما إلا أربعة وعشرون يوماً، وكان العدو الصهيوني يتبجح أنهما بداية قائمة السبعين من قادة حماس، قد صدر القرار بقتلهم، وكأنه بذلك يذكِّرنا بشهداء معركة أُحُدٍ، أو بالسبعين الآخرين من حفظة القرآن المبين الذين غدر بهم بنو عامر وأحلافهم عند بئر معونة جهةَ نَجْدٍ التي يخرج منها قرن الشيطان. 

إنه لا غرابة أن يجترئ اليهود على دماء القادة، فإن آباءهم الأولين هم الذين قالوا: " اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ .." يوسف (9) 

ثم إنهم من بَعْدُ هم الذين قيل فيهم: " وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ " البقرة (72) 

ولا عجبَ بعد ذلك أن تكون هذه الشرذمة من البشر خطراً على الناس أجمعين، فقد عقَّب القرآن على قصة قابيل أخاه هابيل لسببٍ دنيويٍ تافهٍ بقوله تعالى: " مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا .." المائدة (32) 

أما آية المقال فتؤكد أن اليهود لا زالوا يكفرون بآيات الله، ويتفاخرون بقتل أنبياء الله، ولا زالوا يقتلون ورثة الأنبياء من الذين يأمرون بالقسط من الناس، ولكنه عزَّ جلَّ يأمر أن نبشرهم بعذابٍ أليم، هو الذي أعدَّه للقتلة بغير حقٍّ ظلماً وعدواناً في قوله تعالى: 

" وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا " النساء (93) 

وإذا كان هذا فيمن قتل واحداً، فكيف بمن يرتكب المجازر الجماعية، وعلى مدار قرنٍ تقريباً، ولم يتورعوا عن القتل في أجيالهم المتعاقبة؟!!، إنهم جديرون بحبوط أعمالهم في الدنيا والآخرة، وبفقدان المولى والنصير كذلك. 

إن فضيلة الشهيد الشيخ أحمد ياسين قد اعْتُقِلَ مرتين في فترة الحكم العسكري المصري لقطاع غزة، واعتقل مرتين أُخريين عند الاحتلال الصهيوني، وفَرَضتْ عليه سلطة عرفات الإقامة الجبرية مرتين بعد خروجه من السجن، وقد لبث فيه ثماني سنين، مع أنه بلغ من إشفاقه عليهم أنه كان يُصِرُّ على تقديم الضيافة والطعام لأولئك الطُّغام الذين كانوا يرابطون على مدخل بيته ليلاً ونهاراً حتى لا يصل إليه أحد، ولا يَجْرُؤُ هو رحمه الله- على مغادرة البيت، ثم إنه قد استهدف بالاغتيال مرتين، نجا من أُولاهما، وفاز بالثانية، وكان بينهما سبعة أشهر، كما استهدف الدكتور الرنتيسي مرتين، أفلت من الأولى، وارتفع في الثانية، وكان بينهما دون سبعة أسابيع. 

ومن عجيب آيات الله أن شارون قد ظلَّ طريحَ الفراش ثماني سنين بعدد سنوات اعتقال الشيخ أحمد ياسين، ثم إنه أنْتَنَ حتى إن الناس لا يطيقون الدُّنُوَّ منه، وقد قيل: إنهم اضطروا آخراً إلى قتله بالسم، فانظر كيف كان عاقبة الظالمين، خاصة وأنهم قد قتلوا نبيِّنا محمداً صلى الله عليه وسلم بالسُّم في خيبر، وإنْ تراخى ذلك أربع سنين، وكان ذلك بعد أن فشلوا في قتله في ديار بني النضير، وكان سبباً في إجلائهم عن المدينة لِأَوَّلِ الحشر، كما تقول سورة الحشر، الآية (2). 

وهنا لابُدَّ من التساؤل: هل يمكن لاغتيال الرسل، أو الدعاة والقادة، أن تغتال الفكرة أو الدعوة التي استشهدوا من أجلها؟!. 

لقد اغتيل ثلاثة من الخلفاء الأربعة، باستثناء أبي بكر رضي الله عنهم، وكان اثنان منهم شهداءَ صلاة الفجر، كما اغتيل شيخنا بعد صلاة الفجر، وإن القادة الشهداء في تاريخ الرسالات لا يحصون كثرةً؛ فهل توقفت الدعوة، أم أن تلك الدماء كانت بمثابة صَبِّ الزيت على النار، أو إضافة المزيد من الحطب إليها؟!!. 

إن الدعوات ترتبط بالحي الذي لا يموت؛ بل لا تأخذه سنة ولا نوم، وهي ترتبط بالأفكار لا بالأشخاص، بل إنها يرتفع فرعها في السماء، ويزداد أصلها ثباتاً بمقتل قادتها؛ ذلك أن القادة حين يدفعون حياتهم ثمناً للثوابت والمبادئ يزداد الناس إيماناً بهم، وهذا من قرائن حياة الشهداء عند ربهم؛ إذْ لولا حياتهم لما حَيِِيتْ الشعوب من بعدهم. 

لقد قيل يومها: إن شارون قد أراد باغتيال الشيخ أن يثأر لكرامته بعد العملية النوعية للشهيدة ريم الرياشي، وبعد عملية ميناء أسدود؛ إذْ جرى إدخال اثنين من النخبة الاستشهادية في شاحنة بضائع لتدمير المخازن الكيماوية في ذلك الميناء، وقد اشتعلت فيها ألسنة اللهب، غير أنهم تمكنوا من السيطرة على النار قبل أن تلتهم كل شيءٍ، وإلَّا لرآها الناس من مكان بعيد، وأصبحت كأنْ لم تَغْنَ بالأمس، أو أنه أراد أن يسجل إنجازاً صورياً قبل الخروج من غزة صاغرين!!. 

إن أبرز ما تميَّز به الشيخ الشهيد أحمد ياسين هو إيمانه بأن تحرير الإنسان شرط ومقدمة لتحرير الأوطان، وأن تحرير الإنسان لن يكون بغير الإيمان، وكان ذلك في وقت يَروجُ فيه أن الدِّين أَفْيُونُ الشعوب، وآمن أن الإسلام لن يقتنع به الناس ما لم يتجسد في برنامج خدماتٍ اجتماعيةٍ وصحية وتعليمية، تبدأ من رياض الأطفال، ولا تنتهي بالتخرج من الجامعة. 

ومن أبرز أفكاره وجوب تسليح الشعب الفلسطيني، وأن العمل العسكري ينبغي أن يكون في الداخل ابتداء، لا في الخارج وحده، ولا بُدَّ له من حاضنةٍ شعبية، وأن خطف الجنود هو أقرب الطرق لاستنقاذ الأسرى من براثن الاحتلال، وغير ذلك من الأفكار لتحرير الأسرى والمسرى، أو البلاد والعباد. 

وعزاؤنا في الشهداء أنهم حين يدخلون الجنة يقولون: " يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ " يس (26، 27) 

 

(حماقة الأشرار سبيل زوال الحصار) (حماقة الأشرار سبيل زوال الحصار)
مشاهدات : 614 ، بتاريخ : 2013-03-10

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .