وجوب اعتبار أُولي الأبصار بِتغيُّرِ الأحوال كسرعة تقلُّب الليل والنهار

  • بتاريخ : 2016-03-25
  • مرات القراءة : 557
وجوب اعتبار أُولي الأبصار بِتغيُّرِ الأحوال كسرعة تقلُّب الليل والنهار

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( وجوب اعتبار أُولي الأبصار بِتغيُّرِ الأحوال كسرعة تقلُّب الليل والنهار )

 

] .. مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ  [

الحشر (2)

لقد كانت مفاجأةً غيرَ متوقعةٍ بتلك السرعة، ففي الوقت الذي يُحَمِّلُنا فيه وزير الداخلية في الحكومة المصرية وِزْرَ اغتيال النائب العام عندهم؛ يُفتح المعبر لاستقبال وفدٍ قياديٍ من حماس، ويُؤْذَنُ له بعد ذلك في التجوال في عواصم دولٍ عربية وإسلامية، ولئن لم يتحقق من تلك الزيارة إلَّا كسر حدة التجهُّمِ لنا بغير ذنبٍ اقترفتموه،  إلَّا الأصول الفكرية مع جماعة الإخوان الإسلامية، لكفى إنجازاً في هذه المرحلة، فكيف إذا انضاف إلى ذلك تبرئتُنا من دم النائب العام، ومن فِرْيةِ العبث في الساحة المصرية، وما نتج عن ذلك من تغيير في لهجة الإعلام، وما عساه يترتب على ذلك من تقليل أقفال المعبر المُشْبِهِ أبواب قصر العزيز ساعةَ غلَّقتِ امرأته أبوابه؛ لتقول ليوسف عليه السلام: "هيتَ لك" سورة يوسف (23)، ومكاسب أخرى تحبونها، وهي فتح أبواب بعض العواصم من أمتنا العربية والإسلامية؟!!.

ولم أَشَأْ بآية المقال أن أُفَصِّلَ القول في إجلاء بني النضير عن المدينة المنورة، إنما سُقْتُها لبيان كيف يمكن أن تنقلب الصورة بين عشيةٍ وضحاها؛ فإنه ما بين طَرْفَةِ عينٍ وانتباهتها يُغَيِّرُ الله من حالٍ إلى حالٍ، وكلَّ يومٍ هو في شأن؛ ذلك أن اليهود لا يقاتلونكم جميعاً إلَّا في قرىً محصنةٍ، أو من وراء جُدُرٍ، فإنهم أحرص الناس على حياة، ولأنتم أشدُّ رهبة في صدورهم من الله.

إن غرورهم بحصونهم بلغ درجةَ أَمْنهم من بطش الله، كما أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ما كانوا يتوقعون أن بني النضير سيهزمون بتلك السرعة، لكنها قدرة الله الذي لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، فقد جاءهم من تلقاء القلوب لا الحصون، وهو الذي يَحُولُ بين المرء وقلبه، فقذف في قلوبهم الرعب، فإذا بهم يستسلمون لقرار النزوح، وحتى لا ننتفع بتلك الحصون راحوا يخربونها بأيديهم عوناً لأيدي المؤمنين الذين فتحوا ثغرات فيها، وقد عقَّب على ذلك بالأمر بالاعتبار مخاطباً أولي الأبصار؛ أيْ أنه قد نضيق بالفتن أو المحن ذرعاً، وعند الله منها المخرج، لكنها ضاقت، فلما استحكمتْ حلقاتها فُرِجَتْ، وكنتم تظنونها لا تُفْرَجُ.

ولعل ما حصل لبني قينقاع من قبلُ من أمثلة انقلاب الصورة في زمنٍ يسير، وبسلاح الرعب نفسه؛ ليكون عبرة لأُولي الأبصار، فإنهم قد تمرَّدوا بعد النصر المؤزَّر في بدر، وحين حذَّرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من عاقبة الغدر، وما حالُ قريش في بدرٍ منهم ببعيد، فلما أساؤوا السُّوأى، فكان ردَّهم قبيحاً، وكان فعلهم أقبح؛ أنزل الله فيهم:

" قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ " آل عمران (12، 13)

وقد تجلَّتِ العبرة في الإصرار على رحيل بني النضير؛ ليكون مَثَلُهم كمثل الذين من قبلهم قريباً ذاقوا وَبَال أمرهم، ولهم عذابٌ أليم، سواء أريد بالذين من قبلهم بنو قينقاع –كما هو الظاهر-، أو تلك القرية التي أذاقها الله لباس الجوع والخوف، فضلاً عن القتل والأَسْر للملأ منهم والفرسان يوم الفرقان يوم الْتقى في بدرٍ الجَمْعان.

كما تجلت عبرة أُولى الأبصار في الحصار الذي أعقب معركة الأحزاب، ووقع بعدها بيومٍ واحدٍ، وقاربَ شهراً حتى رضي بنو قريظة أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأنزلهم الله من صياصيهم، وقذف في قلوبهم الرعب، فريقاً تقتلون، وتأسرون فريقاً، وأورثكم أرضهم، وديارهم، وأموالهم، وأرضاً لم تطؤوها، وكان الله على كلِّ شيءٍ قديرا.

إن سرعة انقلاب الحال يشبه تقلُّبَ الليل والنهار؛ إذْ فيه عبرة لأُولي الأبصار، وقد جاء في سورة النور:

" يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ " الآية (44)

ذلك أن الله عز وجل يكوِّر الليل على النهار، ويكوِّر النهار على الليل؛ بل يغشي الليل النهار، يطلبه حثيثاً؛ ليعلم أولو الأبصار أنه مهما ضاقت عليهم الأرض بما رَحُبَتْ، فمتى شاء ربنا أن يغيِّر الأحوال؛ فالأمر قد يحدث في سويعاتٍ، أو أيامٍ معدودات، ما دامت القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يُقَلِّبها كيف يشاء، لكنَّ الله جلَّ جلاله لا يغيِّر ما بقومٍ حتى يُغَيِّروا ما بأنفسهم.

ألم تَرَوْا إلى الاحتلال الصهيوني كيف بات على قناعة أن تخفيف الحصار عن غزة خيرٌ من بقائه، لئلا ينفجر في وجهه، وهو غير مُهَّيَّأٍ لعدوانٍ جديد، وما أظنه سيكون مقتنعاً باجترار تجاربه الفاشلة حتى يرحل مذؤوماً مدحوراً؛ بل يرى الاحتلال أن الحلَّ في انتفاضة القدس والضفة الغربية أن يقوم بتخفيف الحواجز، وأن يقدِّم تسهيلات لأهلنا في الضفة والقدس، حتى يلهي كثيراً منهم في رزقه.

وإذا نظرنا إلى انقلاب الصورة في دول الربيع العربي؛ كيف عجز انقلاب الدولة العميقة أو العقيمة –بتعبير أدق- في تثبيت أقدامه، فهو يتفكك ويتراجع؛ إنْ في تونس، أو مصر، أو حتى في ليبيا، وما هروب روسيا من سوريا عنكم ببعيد، فقد أهلكت الحرث والنسل في شطر سَنَةٍ، لكنها أنهكتْ اقتصادها، وأرهقت جيشها، وولَّتِ الأدبار بلعنة الله والملائكة، ولعنة اللاعنين.

وإننا لنرجو أن تتكشف الأيام القريبة القادمة عن مزيد من أمثلة هذه السُّنَّة الربانية؛ ليكون فيها عبرةٌ لأولي الألباب، وموعظة للمتقين، وقد يكون من بركاتها أن يقال لكم: " ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ "؛ وأما الاحتلال ففيه يقال: " ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ".

وما ذلك على الله بعزيز

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .