لا يَحِلُّ التسليم بهضم المعلِّم وإهانة التعليم

  • بتاريخ : 2016-03-4
  • مرات القراءة : 542
لا يَحِلُّ التسليم بهضم المعلِّم وإهانة التعليم

في رحاب آية 

د. يونس الأسطل 

 

( لا يَحِلُّ التسليم بهضم المعلِّم وإهانة التعليم ) 

 

[رمز] وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ   [رمز] 

النمل (15) 

تشهد الضفة والقطاع انتفاضة في وجه السلطة لا تقلُّ عن انتفاضة القدس في مجابهة الاحتلال بِصُورِهِ المختلفة؛ إنها (ثورة المعلمين) المحرومين من كثيرٍ من حقوقهم؛ بالقياس إلى المرفَّهين في الأجهزة الامنية، والمقاطعة، وهي اسم على مُسَمَّى؛ فإن مقرَّ المخترة في رام الله هو الذي يقاطع المعلمين، فيقطع حقوقهم، ويقاطع غزة، فيقطع عنها الموازنة والرواتب، ويقطع الكهرباء، ويقطع الطريق، فيغلق المعابر، ويتقاطع بذلك مع الاحتلال، ومع السلطات القائمة في دول الطوق، ومع السياسة الدولية التي يقودها البلطجية. 

وقد بلغ الأمر بالسلطة أن تُطَوِّقَ المعلمين بالشرطة والعسكر؛ فتعتدي عليهم ضرباً باليمين، وتعتقل آخرين أَخْذاً باليمين والغِلظة؛ لعلَّها تخمد هذه الثورة، وكان من أسوأ تجلياتها أن نائبةً في البرلمان محسوبةً على السلطة نفسِها حين تعاطفت مع المعلمين- لم يتورع النائب العام عن إصدار مذكرةٍ باعتقالها ضارباً بحصانتها عُرْضَ الحائط، مما اضطرها إلى الاعتصام بأروقة المجلس التشريعي، ولا أظنها تسلم من بطشهم؛ فإن الذي تواطأ مع الاحتلال في اغتيال الأسير المحرر عمر النايف في الماخور السلطوي في بلغاريا ليس مستهجناً عليه شيء، حتى لو رأى أن الحفاظ على وحدة قبرص أهمُّ من رفع الحصار عن قطاع غزة، بعد أن اقتحم ذلك الخناق عامه الحاديَ عشرَ، فقد جاء ذلك على لسان (غراب البين) أو (أم قُرْص)، كما تقول عجائزنا. 

إن آية المقال تخبرنا باليمين والقَسَم أن الله تبارك وتعالى قد امتنَّ على داوود وسليمان عليهما السلام بأنواعٍ من العلم، وأنهما قد حَمِداه أن فضَّلهما بذلك على كثير من عباده المؤمنين؛ فما هو ذلك العلم الذي امتازا به؟، ولِمَ لمْ يذكر المُلْكَ الذي أُوتيه كلٌّ منهما؟؛ فقد آتى الله عز وجل داوود الملك والحكمة، وجعله خليفةً في الأرض، وأمر الجبال أن تُؤَوِّبَ معه، والطير، حين يتلو الزبور بما أوتي من الصوت النديِّ الذي يشبه المزامير، فَتُرَجِّعُ الجبال صدى صوته، وتحاكيه الطير. 

وقد ورث سليمان داوود، وعلَّمه الله منطق الطير، وحشر له جنوده من الجن والإنس والطير، وآتاه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فسخَّر له الريح عاصفةً تجري بأمره إلى الأرض المباركة، غُدُوُّها شهر، ورَوَاحُها شهر، وهي تجري بأمره رُخاءً حيثُ أصاب؛ أيْ عند الوصول، بينما تكون في جوِّ السماء عاصفةً مُغيرة، وما يحتاج إلى شهر سفراً تقطعه في عشيةٍ أو ضحاها. 

لعل أبرز علمٍ أُوتي لهما بعد النبوة والمنهاج هو التصنيع الحربي والمدني؛ فإن الله عز وجل قد أَلَانَ لداوودَ الحديد، وعلَّمه أن يصنع الدروع من الحلقات لا من الصفائح، وأن يُضَيِّق الفجوات بين الزرد، وهو المعبر عنه بقوله سبحانه: "أَنِ اعملْ سابغاتٍ، وقَدِّرْ في السَّرْد" سبأ (11). 

أما سليمان فقد أَسالَ له عين القِطْر، وسخَّر له الجنَّ يصنعون من النحاس السائل ما يشاء من محاريبَ وتماثيل، وجفانٍ كالجوابي، وقدورٍ راسيات؛ وذلك لتجهيز الطعام للجيوش الجرَّارة التي كانت تنتقل معه على بساط الريح. 

ومن الملاحظ أن هذا المُلْكَ العظيم لم يُذْكَرْ  بإزاء العلم في معرض الامتنان والشكر، وكأنه إشارة إلى أن الملك تخفُّ موازينه إذا قيس بالعلم، وأيُّ مُلْكٍ لم يُبْنَ على العلم والإيمان، ولم يُتَوَّجْ بالأخلاق؛ فهو وَبَالٌ على أصحابه، فقد أهلك الله جلَّ وعلا عاداً الأولى، وثمود فما أبقى، وقوم نوحٍ، والمؤتفكات، وغيرهم ممن اغتروا بقوتهم، وكانوا إذا بطشوا بطشوا جَبَّارين، أو كانوا يُفسدون في الأرض ولا يُصلحون. 

إن آدم عليه السلام قد تأهَّل للخلافة في الأرض بالعلم الذي تفوَّق به على الملائكة، وإنَّ طالوت عليه السلام قد تأهَّب للقيادة والتحرير حين أُوتي بسطةً في العلم والجسم، وإن الذي عنده علم من الكتاب قد فاز بإحضار عرش بلقيس قبل أن يرتدَّ لسيدنا سليمان طَرْفه؛ أيْ بَصَرُه ونَظَرُه، متفوقاً بذلك على عفريتٍ من الجنِّ قال له: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك، وإني عليه لقويٌّ أمين، كما في سورة النمل (38-40). 

إن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد أُوتي العلم صبياً، فقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين، وتأويل الكتاب المبين، ولذلك فقد اختاره عمر بن الخطاب مع أشياخ بدرٍ في مجلس الشورى، ولمَّا وجد بعضهم في أنفسهم شيئاً من مزاحمته لهم؛ أجرى ابن الخطاب مسابقةً علميةً بينهم وبين ابن عباس، فتفوَّق عليهم، فرضوا به، واطمأنوا إلى أهليته. 

ومن المفيد أن أشير إلى أن تركيا المعاصرة ما نهضتْ بعد أن كانت ذيلاً في حلف الناتو إلا حين أدركت قيمة التعليم والمعلِّم، فجعلت ميزانية وزارة التربية والتعليم أعلى من موازنة الدفاع، وأن راتب المعلم يضاهي دَخْلَ الطبيب، فاندفع الأذكياء والمتفوقون في سلك التدريس، وصنعوا العقول والقيادات، فنهضتْ تركيا، وهي اليوم تُملي شروطها على الصهاينة والأمريكان، ولذلك أُريد توريطها مع روسيا في مطحنة الشام؛ بل ملحمة الغوطة وعموم سوريا؛ لعلهم بذلك يستنزفونها، ويَقْضُون على تجربتها الصاعدة، فقد أضحتْ تَقَضُّ مضاجع أعداء الإسلام، وتبشِّر بعودة الخلافة من جديد. 

إن سلوك السلطة تجاه المعلمين ليس مستهجناً؛ فقد تعهَّدتْ بتدجين الشعب الفلسطيني، وتأهيله للتطبيع والاندماج في الاحتلال، ولن يكون هذا إلا بأجيالٍ من الجهلة وأنصاف المتعلمين الذين ينتظرون آخر الشهر على أَحَرَّ من الجمر، ومن بعده فعلى الأسرى والمسرى، وعلى القدس وفلسطين السلام، لكنَّ فاقدَ الشيءِ لا يُعطيه؛ فإن العسكر المهيمنين على السلطة فيهم مالا يحصى كثرةً ممن لم يستطيعوا الحصول على الثانوية العامة، وربما لم يحصلوا على (المَتْرِك) أو الإعدادية، فهم في طغيانهم يعمهون. 

والله غالب على أمره

 اغتيال القادة حياة وشهادة اغتيال القادة حياة وشهادة
مشاهدات : 604 ، بتاريخ : 2016-03-31

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .