المقاومة والمساومة برنامجان لا يلتقيان، والحوار الجاري لعلهما يتعايشان (2-2)

  • بتاريخ : 2016-02-25
  • مرات القراءة : 440
المقاومة والمساومة برنامجان لا يلتقيان، والحوار الجاري لعلهما يتعايشان (2-2)

في رحاب آية 

د. يونس الأسطل 

 

( المقاومة والمساومة برنامجان لا يلتقيان، والحوار الجاري لعلهما يتعايشان (2-2) ) 

 

[رمز] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ   [رمز] 

البقرة (216) 

هذا المقال تتمة للمقال الماضي؛ فقد نصَّت الآية على انقسام الناس إلى فريقين تجاه فريضة الجهاد في سبيل الله، فمنهم من يسمع ويطيع، ولو كان ذلك التكليف مكروهاً عند نفسه؛ إيماناً منه بأن الخير كامنٌ فيه، ومنهم مَنْ يتولون إلا قليلاً منهم؛ إيثاراً للراحة، وطلباً للسلامة، مع أن هذا الخيار ينطوي على شَرٍّ مستطير. 

هذا؛ وقد تناولتُ في المقال السابق طائفةً من وجوه الخير في فريضة القتال، ممَّا جعله القرآن مقاصدَ وأهدافاً لذلك التكليف الذي يمثل ذروة سنام الإسلام، وفي هذا المقال أرصد طائفةً أخرى من العقوبات الربانية، أو من وجوه الشرِّ التي يُؤخذ بها الذين رضوا بالقعود أولَ مرة، ظانِّين أن لن ينقلب المؤمنون إلى أهليهم أبداً، وزُيِّنَ ذلك في قلوبهم، وظنوا ظَنَّ السَّوْء، وكانوا قوماً بُوراً. 

ولعلَّ أَوْلى ما يذكر هنا ما جاء في سورة التوبة في سياق النهي عن اتِّخاذ الآباء والإخوان أولياء إنِ استحبوا الكفر على الإيمان؛ حيثُ ذكر ثمانية معوِّقاتٍ للقتال في سبيل الله، وتوعَّد من رضي بذلك بديلاً عن حبِّ الله ورسوله، والجهاد في سبيله، أن يأتيهم بأمره، فقال: " قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ " الآية (24) 

إن الإجمال هنا فيما يتعلق بأمر الله الذي توعَّد به الفاسقين قد جاء بعض التفصيل له في السورة نفسها، بعد أنْ نَعَى على الذين دُعُوا للخروج لغزوة تبوك، وملاقاة الروم، فتثاقلوا إلى الأرض؛ رضىً بالحياة الدنيا بديلاً عن الآخرة والجنة: 

" إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " الآية (39) 

إن العذاب الأليم هنا مطلق، فيشمل خزي الدنيا، وأشدَّ العذاب في الآخرة، فأما خِزْيُ الدنيا فهو تسليط العدو علينا، فيستبيح بيضتنا، ويستضعفنا، فَيُقَتِّلُ أبناءنا، ولا يتورع عن قتل نسائنا أيضاً، فضلاً عن اغتصاب الأرض والديار والأموال. 

وأما خزي الآخرة فقد أشار إلى فُحْشه في نفس السورة حين قال: 

" فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ " الآية (81) 

وهذا الوعيد قد أعدَّه ربُّنا جلَّ جلاله للتولي يوم الزحف، وهو إحدى السبع الموبقات، فقال: " وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ " الأنفال (16) 

وقد عطف على الوعيد بالعذاب الأليم في سورة التوبة استبدال القاعدين بقومٍ آخرين يحبهم ويحبونه، أذلةٍ على المؤمنين، أعزةٍ على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومةَ لائم، ولن يَضُرُّوا دين الله شيئاً، فإذا جحد قومٌ فريضةً من فرائض الله كالجهاد، أو قَصَّروا فيها؛ فقد وكَّل الله بها قوماً، ليسوا بها بكافرين، ولسوف تظلُّ راية الدين مرفوعة في الأرض دعوةً وجهاداً حتى تقوم الساعة، ولن يَضُرَّ الذين يَذَرُونها إلا أنفسهم؛ حتى لو كان التفريط بها بُخْلاً بالمال، فقد يجاهد أناسٌ بأنفسهم، ويَضِنُّون بأموالهم، فيكونون قد فَرَّطوا في شطر البيعة، تلك التي اشترى الله فيها من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله، فَيَقْتلون ويُقْتلون..، وقد قال ربنا جلَّ وعلا في ذلك الشُّحِّ: " هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ " سورة (38) 

إن بني إسرائيل حين مالوا إلى الحلَّ السلمي في تطهير فلسطين من القوم الجبارين، وقالوا لموسى عليه السلام: " إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ " المائدة (24) ... ضرب عليهم التيه أربعين سنة، حتى خرج من أصلابهم من لا يخشون أحداً إلا الله، كما أنهم بعد أن أُخرجوا منها، وقرَّر الملأ منهم أن يحرروها تارة أخرى، تولوا عن القتال إلا قليلاً منهم، ولكنَّ قيادة طالوت قد استطاعتْ بفئةٍ قليلةٍ ممن يظنون أنهم ملاقو الله- أن يهزموا الفئة الكثيرة جالوتَ وجنوده، وأن يحرِّروا فلسطين، ثم احتلَّها الروم، فتخاذل بنو إسرائيل عن الدفاع عنها، فلبث ذلك الاحتلال بضعة قرون، وعاد الصليبيون إليها في آخر القرن الخامس الهجري، ثم كُنِسوا منها بعد حوالي تسعين سنة في معركة حطين، وحين داهمها المغول لم يصمد فيها إلا بضعة أشهر حتى كُسِرتْ شوكتهم في معركة عين جالوت، وتحطمت آمالهم في الزحف على بقية العالم، وكان هذا من بركات فلسطين، وقد حاول نابليون الفرنسي الهيمنة عليها في آخر القرن الثامن عشر الميلادي، فدفن أحلامه تحت أسوار عكا، وانقلبوا خائبين. 

أما الاحتلال الصهيوني فقد مضى عليه دون سبعة عقود، لم يكن في أربعين سنة منها يواجه إلا أمثاله، فينتصر عليهم، لكنه في العقود الثلاثة الأخيرة بدأ يواجه عباداً لله أُولى بأس شديد، قد أساؤوا وجوه الصهاينة، ويوشك أن يدخلوا المسجد الأقصى، كما دخله الفاتحون أول مرةٍ، وإن الذين يقاومون اليوم هم الذين وُلِدوا بعد مؤامرة أوسلو، فأكدوا بذلك أن الذين يؤسِّس بنيانه على شفا جُرُف هارٍ ينهار به في نار جهنم، وأن مَثَلَ أشبالنا كزرعٍ أخرج شَطْأَهُ، فآزره، فاستغلظ، فاستوى على سُوقِهِ، يعجب الزُّرَّاعَ؛ ليغيظ بهم الكفار. 

 

وليعلمن الذين يريدون لغزة بالحوار مزيداً من الحصار نبأه بعد حين

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .