سبعة من شهداء الأخدود يرهبون جبهة المنافقين واليهود

  • بتاريخ : 2016-02-4
  • مرات القراءة : 587
 سبعة من شهداء الأخدود يرهبون جبهة المنافقين واليهود

في رحاب آية 

د. يونس الأسطل 

 

( سبعة من شهداء الأخدود يرهبون جبهة المنافقين واليهود ) 

 

[رمز] وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ . وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ   [رمز] 

آل عمران (157، 158) 

لا يزال ربُّنا تبارك وتعالى يصطفي من بيننا الشهداء، وخاصة أولئك الكادحون في إعداد ما استطاعوا من قوة، وقد كان من آخر تجليات الله على عباده أنْ قبض طائفةً منهم في المنخفض الأخير دفعةً واحدةً؛ ذلك أنهم كانوا في منخفضٍ من الأرض، يواصلون حفر الأنفاق، تلك التي زادتِ العدوَّ رهقاً في الحرب الأخيرة، وقد فوجئ سبعةٌ منهم بماءٍ منهمرٍ يغمر عليهم النفق، فلم يستطيعوا منه إفلاتاً، وقد تبين أن الصهاينة يفتحون السدود، ويرسلون علينا سيل العَرِمِ؛ عندما يتهددها صَيِّّبٌ من السماء، فإذا بها تكتسح أرضنا وديارنا، وتهلك الحرث والنسل؛ فيبوء الصهاينة بإثمنا  وإثمهم، ويكونون من أصحاب الناس، ولا عجبَ في صنيعهم هذا، فهم شرُّ الدوابِّ عند الله، ويسعون في الأرض فساداً، ولا يرقبون في مؤمنٍ إلَّاً ولا ذمة، وأولئك هم المعتدون. 

ولقد أبدى ذوو الشهداء من الصبر، وتفويض الأمر لله، بل والرضا عن الله، ما يشهد لهم بالإيمان، بل إنهم يرون كرامةً ربانيةً قد سيقت لهم، وحَلَّت بديارهم؛ فقد أكرمهم الله الكريم باتخاذ بعض أبنائهم شهداء، فهم أحياءٌ عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله، وقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فَقَضَوْا نَحْبَهم، فكانوا من الصابرين في البأساء، والضراء، وحين البأس؛ حيثُ الجوع، وقلة ذات اليد، ويعملون بالليل والنهار لا يريدون جزاءً ولا شكوراً، يضاف إليه أننا في زمهرير البرد، وفي ذروة فصل الشتاء، كما أن العدوَّ يَتَهدَّدُنا بإعادة الحرب جذعة، فلا يكون جوابهم إلا ما قاله ربنا تبارك وتعالى: 

" قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ . قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ " التوبة (51، 52) 

ولا أدلَّ على حياة الشهداء -بعد ما أنزل الله علينا من الكتاب والحكمة بشأنهم- من الالتفاف الجماهيري العارم من وراء الشهداء؛ حيث السيول البشرية في وداعهم، ثم في الاندفاع تلقاء ذويهم لتقديم واجب التهنئة في أعراس الشهادة، وبذلك نجزم أن الشهداء أحياء، ولولا ذلك لما أحيى الله الأمة بحياتهم؛ فإن فاقد الشيءِ لا يُعطيه، فضلاً عن الحشود البشرية في مهرجان الإشادة بمآثرهم، ومناقب المجاهدين بعامة، وجنود الإعداد على وجه الخصوص. 

أما آية المقال فتبدأ بالقَسَم أنكم إنْ قُتِلْتم في سبيل الله، أو مُتُّم في سبيل الله؛ فإن جزاءكم مغفرةٌ من الله، تتطهرون بها من آثامكم، وحسبُ الشهيد أن يَغَْفرَ له بأول قطرةٍ من دمه، بالإضافة إلى رحمة الله التي هي سِرُّ الدخول في جَنَّتِه، تلك الجنة التي لا تعلم نفسٌ ما أُخفي لهم فيها من قرة أعينٍ، جزاءً بما كانوا يعملون. 

وكان من تتمة اليمين أن المغفرة والرحمة خير ممَّا يجمعون؛ فإن الناس قد ألهاهم التكاثر في الأموال والأولاد، وفي الحرص على المناصب والجاه، وإنْ هو في سرعة زواله إلا كزرعٍ أعجب الكفارَ نباتُهُ، ثم يهيج فتراه مصفراً، ثم  يكون حطاماً، أو هشيماً تذروه الرياح. 

ثم عاد في الآية التي تليها، وكرَّر القَسَم تارة أخرى؛ أنكم إن مُتُّم أو قُتِلْتم لإلى الله تحشرون، فلا مفرَّ من الرحيل؛ إما بالموت، وإما بالقتل، والفرق الهائل أن الشهداء يرحلون وهم أحياء، ولكنْ لا تشعرون، بينما سائر الناس يموتون أو يهلكون، فيزورون المقابر، ثم إلى ربهم يحشرون؛ فإن إلى ربك الرجعى، وإن الإنسان كادحٌ إلى ربِّه كدحاً فَمُلاقِيه، وإن إلى الله إيابهم، ثم إن عليه حسابهم. 

وقد يتبادر إلى الأذهان سؤال عن السرِّ في هذه الأيمان الربانية، وما الداعي أن يحلف ربُّنا على حتمية الرحيل قتلاً أو موتاً؟!. 

وهنا يلزم أن نفهم ذلك من السياق الذي وردتْ فيه، مع أسباب النزول، ومن المعلوم أن سورة آل عمران قد عَقَّبت على غزوة أُحُدٍ،  تلك الغزوة التي  صدقكم الله وَعْدَه فيها بالنصر والغنيمة، لكنَّ قلةً من الجند من الموقوفين على جبل الرماة قد خالفوا أَمْرَ القائد، وبَرِحُوا أماكنهم؛ طمعاً في نصيبٍ من الأسلاب، فعاقب ربُّنا جلَّ وعلا جميع الجيش بوعكة عسكرية؛ ففات النصر، وضاعت الغنائم، وناف عدد القتلى على السبعين، وعندها انطلقت ألسنة الكفرة والمنافقين من أهل المدينة، فزعموا أن الشهداء الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله، أو الذين يُقاتلون في سبيل الله، فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلون، لو لم يخرجوا لاكتساب الرزق، أو ينفروا للغزو، وظلوا قاعدين، كما قعد المنافقون، ما ماتوا وما قُتِلوا، وكأن مسألة الأجل يمكن الاحتياط منها بالقعود، وما دَرَوْا أنهم لو كانوا في بيوتهم لبرز الذين كُتِبَ عليهم القتل إلى مضاجعهم، وأنه لا مفرَّ من قدر الله أبداً، ولكنَّ الله عز وجل أراد أن يعذِّبَ المنافقين والكافرين بأن يجعل فَقْدَهم لذويهم من الشهداء حسرةً في قلوبهم، والله هو الذي يحيى ويميت؛ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً. 

ولعل من المناسب أن أسجل هنا ما أخرجه الإمام مسلم في الباب السابع والثلاثين من كتاب الجهاد من صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أَفْرَدَ يوم أُحُدٍ في تسعةٍ من أصحابه، سبعة من الأنصار، واثنان من قريش، فلما دنا منه المشركون قال: "مَنْ يَرُدُّهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة"، فقام الأنصار السبعة، واحداً إثر الآخر، حتى استشهدوا جميعاً، فقال عليه الصلاة والسلام: "ما أَنْصَفْنا أصحابنا"؛ يقصد بذلك أن المُهاجِرَيْنِ كان أَوْلى بهما أن يتقدما للدفاع بدل الأنصار، فكان أولئك الشهداء السبعة من خيرة الشهداء السبعين في ذلك اليوم، وانظر الحديث رقم (100) في كتاب الجهاد. 

وبعد أربعة أشهرٍ كان سبعة آخرون يُستشهدون عند ماء الرجيع، بينما ذهب سبعون آخرون من حفظة القرآن الكريم في نفس شهر صفر من العام الرابع عند بئر معونة؛ ليكون مجموع شهداء غزوة أُحُدٍ، وغزوتي الرجيع وبئر معونة، ينيفون على خمسين ومائة شهيد، قد فازوا بجنات ونَهَر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وإن كان السبب الأول لذلك هو مخالفة بعض الرُّماة. 

ولله الأمر من قبل ومن بعد

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .