استثمار عزيمة المعاقين فريضة في أعناق ذويهم والمسؤولين

  • بتاريخ : 2016-01-10
  • مرات القراءة : 631
استثمار عزيمة المعاقين فريضة في أعناق ذويهم والمسؤولين

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( استثمار عزيمة المعاقين فريضة في أعناق ذويهم والمسؤولين )

 

] لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ   [

التوبة (91، 92)

دُعِيتُ في صدر الأسبوع لورشة في ضيافة بلدية رفح، وكانت بتنظيمٍ من بعض الجمعيات التي ترعى ذوي الاحتياجات الخاصة، ممَّن ابتلاهم ربهم بِفَقْدِ بعض أطرافهم، أو كانوا ممن فَقَدَ بعض الحواس كلياً أو جزئياً؛ كصعوبة النطق، أو الحركة، وغير ذلك، وهؤلاء المستضعفون من الرجال والنساء والولدان  قد لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلا، فيما يتعلق باندماجهم في المجتمع؛ فإن حصولهم على رمق الحياة بشقِّ الأنفس، مع أنهم يملكون من الإرادة والعزيمة ما يجعلهم قادرين على الإنتاج، ومزاولة كثير من الحِرَف، أو شَغْل بعض الوظائف التي تناسب كلَّ واحدٍ منهم، ومن المعلوم أن ربَّنا الكريم الرحيم حين يأخذ من الإنسان بعض أعضائه أو ملكاته يُعَوِّضه عنها في جانبٍ آخرَ منها، فالضريرُ مثلاً تَقْوى عنده ملكة الحفظ والذاكرة، ويصبح قادراً على تمييز الأصوات، ومعرفة أصحابها، بأكثر من المبصرين، وهكذا..

وقد أُتِيحتْ لي فرصة مداخلةٍ أكَّدتُ فيها على أن الدنيا كلَّها دارُ ابتلاء، فالله عز وجل يبلوكم بالشرِّ والخير فتنةً؛ أيِ اختباراً للصبر أو الشكر، وقد شاء أن يَبْلُوَ بعضكم ببعض، وأن يبلوكم فيما آتاكم؛ أتشكرون أم تكفرون، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن الله غني حميد، وإن ربي غني كريم.

كما أن أشدَّ الناس بلاءً هم الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبْتلَى المرء على قَدْر دينه، فإن وُجِد في إيمانه صلابةٌ زِيدَ في بلائه، ولذلك فإن الابتلاء بما يوصف بالإعاقة قد تكون شهادةً على قوة الإيمان، وشدة اليقين، وهي من هذه الناحية مِنَّةٌ إلهية تستوجب الشكر.

إن سيدنا يعقوب قد ابْيَضَّتْ عيناه من الحزن على يوسف، فهو كظيم، وإن سيدنا أيوب قد فَقَد الصحة والمال والأهل، ولم يَبْقَ بجواره إلا زوجه الوفية، فقد صبرت معه لحكم ربِّها، وطال الابتلاء عدَد سنين، ومع ذلك فقد كان عليه السلام يحمد ربَّه العلَّام أن أبقى له لساناً يذكره، وقلباً يشكره، وقد عافاه وآتاه أهله، ومثلهم معهم رحمةً من عنده، وذكرى للعابدين.

وأما سيدنا موسى فقد كان في لسانه لَثْغَةٌ، لا يكاد يُفْصح عما في نفسه منها، حتى ازدراه فرعون وهو يستخفُّ قومه، ويقول:

\"أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ \" الزخرف (52)

مع أن سيدنا موسى عليه السلام كان قد دعا ربَّه أن يَحْلُلَ عقدةً من لسانه؛ ليفقهوا قوله، ولم يطلب أن يزيلها بالكلية، فقال له ربه: \"قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى \" طه (36)

إن آية المقال تُسقط التكليف بالخروج لغزوة تبوك، والاشتباك مع الرومِ أربابِ أقوى قوة مادية عسكرية في ذلك الحين، فالضعفاء لعجزٍ أو مرض لَيس عليهم جُناحٌ أن يقعدوا من القاعدين، وكذا العاجزون مادياً عن مالٍ يتجهَّزون به للغزو يومَ كان الجنديُّ مكلَّفاً أن يجهِّز نفسه بنفسه، وقد طال العذر أولئك الذين أَتَوُا النبيَّ صلى الله عليهم وسلم ليحملهم معه؛ بتوفير أسلحة لهم وأبعرة تحملهم، فاعتذر أنه لا يجدُ ما يحملهم عليه، فما كان منهم إلا أن تَوَلَّوْا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً؛ بسبب أنهم لا يجدون ما ينفقون، ولسوف يفوتهم أجر الغزو والجهاد.

إن شرط قبول العذر من المذكورين أن ينصحوا لله ورسوله، والمراد بذلك أن يجاهدوا دعوياً، فيكونوا ملتزمين بالعبادات والفرائض والأخلاق، داعين غيرَهم إلى ذلك، عبر الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير، ومن المعلوم أن الدين حقيقةً هو النصيحة، لله أولاً، ولكتابه ولرسوله، وكذا لأئمة المسلمين وعامتهم، وقد فازوا بمثل الأجر الذي ناله الذين نفروا في الحرّ، ما داموا قد حبسهم العذر.

والسؤال هنا: هل كان الصحابة رضوان الله عليهم يأخذون بهذه الرخصة، أم ينفرون خفافاً وثقالاً، ويجاهدون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله؟!، وهل كان همُّهم أن يسقط الإثم عنهم، أم أنه كان يُؤَرِّقهم فوات الأجر؟!؛ فهذا عمرو بن الجموح يُصِرُّ أن يطأ بعرجته الجنة يوم أُحُد، وقد فاز بها، وذاك ابن أمِّ مكتوم الأعمى يختار أن يحمل الراية؛ لأنه لا يستطيع الفرار، ولو لم يَبْقَ إلا وحده في الميدان، ولن تسقط الراية حتى يخلُصَ إليه المشركون، وأنَّى لهم ذلك؛ وقد نُصِرْنا عليهم بالرعب مسيرة شهر؛ بما أشركوا بالله ما لم يُنَزِّلْ به سلطاناً؟!.

إن الصحابة يوم حمراء الأسد بعد يوم من وعكة أُحُدٍ قد استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، فخرج بعضهم محمولاً على الأكتاف، وقد انقلبوا بنعمةٍ من الله، وفضلٍ، لم يَمْسَسْهم سوءٌ، فقد ألقى الله الرعب في نفس أبي سفيان وجنوده، وفاز المؤمنون باتِّباع رضوان الله، وما تحقَّق لهم من النصر دون كرٍّ ولا فَرٍّ، واستعادة بعض الهيبة العسكرية.

وقد تمخضت تلك الورشة عن ضرورة وضع تصور لمعهدٍ يقوم على تدريب ذوي الاحتياجات الخاصة على بعض المهن، واستثمار ما لديهم من الإرادة والمهارات في الإنتاج والإبداع، وأن تُخَصَّصَ قطعة أرض لهذا المشروع، ويتم وضع المخططات، ودراسات الجدوى، وتسويق ذلك لدى المانحين، والجهات الخيرية، حتى لا يظلَّ أولئك الكرام عالة على الناس، أو كَلَّاً على مواليهم.

وإلى أن يتحقق ذلك فالواجب السعي لتفعيل القوانين المتعلقة بهم، وأن تتحمل الفصائل، ومؤسسات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، هذه المسؤولية، مع التأكيد على أن أهم واجب يقع ابتداء على ذوي القربى منهم، والأرحام؛ فقد قال ربُّنا تبارك وتعالى:

\"فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ\" الروم (38)، وانظر الإسراء (26)، والبقرة (177).

وقد خُتمت الورشة بضرورة تشكيل ائتلاف يجمع شمل الجمعيات العديدة القائمة على خدمة هؤلاء القوم؛ حتى يرمي الجميع عن قوسٍ واحدةٍ.

والله غالب على أمره، وله الحكمة البالغة

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .