حقيقة الأسوة الحسنة صدُّ العدوان، والصمود للمحنة

  • بتاريخ : 2016-01-2
  • مرات القراءة : 555
 حقيقة الأسوة الحسنة صدُّ العدوان، والصمود للمحنة

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( حقيقة الأسوة الحسنة صدُّ العدوان، والصمود للمحنة )

 

] لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا    [

الأحزاب (21)

اعتاد الخطباء أن يذكروا هذه الآية في ثنايا حديثهم كلما عادت ذكرى ميلاد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقلَّما يتناول الواعظون معناها في سياقها الخاص، إنما يستدلون بها على مطلق الأسوة في طائفة من أخلاقه عليه الصلاة والسلام، كما لو أنها نزلت مستقلة، دون أن ترتبط بالعروة الوثقى بغزوة الأحزاب.

ومن المعلوم أن تلك الغزوة كان بفعل التحريض اليهودي لكلٍّ من قريش، وهوازن، وثقيف، ومن وَالاهُم من القبائل الأخرى، حتى زحف تلقاء المدينة ما يربو على عشرة آلاف مقاتل، وربما كانوا يزيدون عن عدد المؤمنين جميعاً، إذْ ذاك من الرجال والنساء والولدان، وكان هدفها استئصال المؤمنين جميعاً، وإطفاء نور الله في الأرض، وقد جاؤونا من فوقنا، ومن أسفلَ منا، وقد زاغت الأبصار، وبلغتِ القلوب الحناجر، وتظنون بالله الظنونا، هنالك ابْتُلِيَ المؤمنون، وزُلزلوا زلزالاً شديداً، فأرجف المنافقون والذين في قلوبهم مرض؛ ليزيدوكم خبالاً، وليبغوكم الفتنة، حين قالوا: ما وَعَدَنا الله ورسوله إلا غروراً، وكان منهم المعوَّقون لإخوانهم عن المشاركة في القتال، ودفع العدوان، وقد كانوا في غاية الجبن حتى إن أعينهم لتدور كالذي يُغْشى عليه من الموت، ومع ذلك فإنهم بعد ذَهاب الخوف سلقوكم بألسنةٍ حِدادٍ، ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً.

وبعد الفراغ من الحديث عن المنافقين، ومواقفهم المخزية في ذلك الخطر الداهم جاءت آية المقال تدعونا لاتخاذ نبينا عليه الصلاة والسلام أسوةً حسنة، مخبرةً أنه لا ينتفع بتلك الأسوة إلا من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، وذكر الله كثيراً؛ فما هو المعنى الخاص لتلك الأسوة؟، ولماذا لا يقتدي بها إلا المؤمنون بالله واليوم الآخر الذاكرون الله كثيراً؟.

أما الأسوة الحسنة فقد ظهرتِ ابتداءً في ثبات فؤاده عليه الصلاة والسلام، وعدم الاستسلام للخطر الزاحف، وقد واجه ذلك بالمشاورة، وحين استقرَّ الرأي على حفر الخندق كان عليه الصلاة والسلام معهم في العمل كأفضلهم أو يزيد، ومن عجبٍ أنهم كانوا يحفرون في البرد الشديد، والجوع الأكيد، وقد ربط الصحابة الحجارة على بطونهم من الجوع، وحين اشتكوا إليه ما بهم من المخمصة كشف عن بطنه، فإذا به قد ربط حجرين، وقد فرغوا منه دون أسبوع، وقبل أن يصل الأحزاب، كما وضعوا التراب بالعُدْوة الدنيا، ورابطوا خلفه شهراً ينضحون الخيل بالنبل، ولم يقدروا في بعض الأيام من أداء الصلوات النهارية في مواقيتها حتى جنَّ الليل، وهدأتْ هجمات الخيل الهادفة إلى فتح ثغرة في الخندق.

وقد كان الخوف يساورهم أن يرتكب المنافقون بعض الحماقات داخل المدينة؛ لتشتيت الجهد والانتباه، أو أن يميل يهود بني قريظة على الذراري والنساء ميلةً واحدةً، وهم الذين يقولون: ليس علينا في الأميين سبيل، خاصة بعد أن نقضوا عهدهم، وأعلنوا انضمامهم للأحزاب.

وقد انتهت المجابهة بعد شهر كامل؛ بأن أرسل ربُّنا جلَّ جلاله على الأحزاب ريحاً عاتية، وجنوداً لم تروها، هم الملائكة الذين ينزلون لإلقاء الرعب في قلوب أعدائنا، وليثبت ربُّنا بذلك قلوبنا، وقد يشاركون في القتال، كما حصل يوم بدر، وحنين.

إن الأسوة هنا تعني قبول التحدي، وعدم الارتباك، والخروج برأي شوريٍّ جماعيٍّ لمجابهة الخطر، وأن يكون القائد في مقدمة المنفذين لتلك الخطة، ولو مع الجوع، والبرد، والخوف؛ فإن البأساء والضراء والزلزلة لا زالت هي الطريقَ الوحيد للجنة، والساعةَ الأقربَ إلى النصر، فإنها تَميز الخبيث من الطيب، وليعلم الله الذين صدقوا وآمنوا، من الكاذبين والمنافقين.

وقد ارتضيناه عليه الصلاة والسلام أسوةً حسنةً لنا في الأرض المحتلة، وفي غزة بصورة أخصَّ، فقبلنا التحدي، وحفرنا الأنفاق، وقاتلنا من خلالها، ولم نأبه بالحصار، والجوع، والأذى، ولا حتى بالمنافقين والمرجفين، وقدر نصرنا ربُّنا تبارك وتعالى على الاحتلال ومن مَدَّ إليه بالحبال، حتى فشلتْ أهداف العدوان، فلا هم قَضَوْا على المقاومة، ولا غَيَّروا الوضع السياسيَّ القائم، ولا أخضعونا لأوسلو وأزلامِها، ولله الأمر والفضل من بعدُ ومن قبل.

وأما بخصوص السؤال الثاني المتعلق بحصر التأسي المأمور به، أو المرغَّب فيه، فيمن يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويذكرون الله كثيراً؛ فإن الجواب عنه أن من آمن بالله، وتيقَّن أنه مولاه، يرجو بالثبات والدفع رضاه، ويخشى عذابه؛ إن عذاب ربِّك كان محذوراً، ومَنْ كان يؤمن باليوم الآخر؛ فإنه لا يتزحزح من الميدان طلباً للشهادة والجنة والمغفرة كذلك، ولذلك فإن الذين ظنوا أنهم ملاقو الله من جند طالوت لم يُضْعِفْهم أن يشرب أكثر الجنود من النهر، ولم يُوهِنْهم أن أكثر القلة التي لم تشرب قالوا: لا طاقةَ لنا اليوم بجالوتَ وجنوده؛ بل راحوا يقولون: كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله، والله مع الصابرين.

وأما الذاكرون الله كثيراً؛ فلأنهم أخذوا بأهمِّ أسلحة القتال؛ حيثُ إن استحضار عظمة مَنْ بيده مقاليد السموات والأرض، وما من دابةٍ إلا هو آخذٌ بناصيتها، وله جنود السموات والأرض، وإذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كنْ فيكون ...، إن استحضار ذلك وغيره من شأنه أن يربط الله به على القلوب، ويثبِّت به الأقدام، فلن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، ولن يتربَّصوا بنا إلا إحدى الحسنيين، وإن نصر الله قريب.

وهو نعم المولى، ونعم النصير

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .