حين ننفر للقتال فإن القاتلَ والراميَ هو الكبير المتعال

  • بتاريخ : 2016-01-2
  • مرات القراءة : 563
حين ننفر للقتال فإن القاتلَ والراميَ هو الكبير المتعال

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( حين ننفر للقتال فإن القاتلَ والراميَ هو الكبير المتعال )

 

] فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ   [

الأنفال (17، 18)

إن شأن الصهاينة لَعجيبٌ؛ فمعركة العصف المأكول التي أرادوها جُرُفاً صامداً، فآلتْ إلى جرفٍ هارٍ، وقد أرادوا استعادة الهيبة وقوة الردع عبر سياسة الصدمة والترويع، وكيِّ الوعي، فإذا بهم يخرجون من الحرب، وقد تآكلت قوة الردع، ولم نَعُدْ نخشى عدوانهم؛ فإن الجيوش النظامية لا قِبَلَ لها بحرب العصابات، خاصة وأن الاحتلال يعتمد على الحرب الخاطفة، وكثافة النيران، ونقل الحرب إلى أرض الخصم، وأما المقاومة بالاستنزاف فطويلة النَّفس، وتقوم على انتقاء الأهداف، وعلى مخادعة العدو، ومراكمة الإنجازات بمقدار ما تُوقع في العدو من خسائر.

أما اليوم فإن انتفاضة القدس، وإن كانت لا زالت بأدواتها البدائية؛ طعناً بالسلاح الأبيض، أو دعساً بالسيارات، وفي عدد محدود من المرات كانت رمياً بالرصاص؛ إلا أنها أفقدت الجيش أمنه الشخصي، فضلاً عن المستوطنين، ولما كان فاقد الشيء لا يعطيه؛ فأنَّى للجيش أن يوفر الأمن للشعب؟!، وهنا يثور سؤال: كيف يمكن لشعب فلسطيني أعزل - تحاربه سلطة محسوبة عليه قبل أن  يطارده الاحتلال - أن يهدِّد قوةً نوويةً لدرجة فقدان الأمن الشخصي لجنودها؟

إن آية المقال تجيب عن هذا السؤال؛ فإنها جاءت في سياق تحريض الله جل جلاله على القتال، فإن الآية السابقة عليها قد نهت عن تولية أعدائنا الأدبار، ولو جاؤوا زاحفين، ما لم يكن ذلك خديعة حرب؛ كالمتحرف للقتال، أو كان تراجعاً إلى موقع آخر للقتال، ينضم فيه المقاتل إلى فئة أخرى، أو يؤوب إلى موقع القيادة؛ ليكون رهن أيِّ تكليف جديد، وإلَّا فإن الفرار من القتل فرار إلى جهنم حاملاً غضب الله تعالى، وبئس المصير.

ومن هنا فقد أغرانا ربنا بالثبات وهو يصور لنا أن الحرب علينا إنما تدور بينه وبين أعدائنا، فهو القاتل الحقيقي لهم، وهو الرامي حين نرمي؛ أي أنه جل وعلا يُسَدِّد رمينا، فيصيب هدفه، ويقتل أعداءنا، ولو شاء لأطاشه، فلم يصب هدفه؛ فإنه إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يَخْذُلْكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.

وهنا يطرح سؤال نفسه: ما دام الله هو القاتل وهو المقاتل، ففيم تكليف عباده المؤمنين بأن ينفروا خفافاً وثقالاً، وأن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله؟، ولماذا اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله، فَيَقْتلون ويُقْتَلون، وجعل ذلك هو التجارة التي تنجيهم من عذاب أليم، ودعاهم بذلك لما يحييهم؟.

إن آية الأنفال تردُّ على هذا السؤال بأن لذلك حِكَماً كثيرة، ومنها أن يُبْليَ المؤمنين منه بلاءً حسناً؛ أيْ أن يكون القتال اختباراً كاشفاً حقيقة الإيمان التي نستحقُّ بها شرف الانتصار في الدنيا، وأجره العظيم في الآخرة؛ فإن الله تبارك وتعالى قد أعدَّ في الجنة مائة درجة للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، بحيث يرى أهل الدرجات الدنيا أهل الدرجات العليا كما تَرَوْنَ النجم الغائر في السماء، فالابتلاء بالجهاد للإكرام الحسن من ناحية، وليكون برهاناً على يقيننا بأن ديننا هو حقُّ اليقين، ولولا ذلك لما خاطرنا بأنفسنا وأموالنا لِنُظْهِرَه على الدين كله، ولو كره المشركون، وحتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كلُّه لله، وحتى تضع الحرب أوزارها، ويرتع الناس في رحمة الله آمنين؛ فإن الله جل وعلا ما أرسل رسوله إلا رحمة للعالمين، وقد جعلنا خير أمةٍ أخرجت للناس، وحين نحكم الناس بالإسلام يتمتعون بالكرامة الإنسانية، وبالعدل والإحسان ولو لم يكونوا مؤمنين، فما بالكم بمن آمن وعمل صالحاً؛ فإن له جزاء الحسنى، وسنقول له من أمرنا يسراً، وإننا لنخفض جناحنا للمؤمنين رحماءَ بهم أذلةً عليهم، فنحن وهم جسد واحد، وبنيان مرصوص.

وقد أكَّد سبحانه هذه الحكمة حين قال: " ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ " سورة محمد (4)؛ فقد أمر في صدر هذه الآية بقتال العدو حين نلقاهم في ساحة الحرب، وأن نثخن فيهم قبل أن نأخذ الأسرى، وجعل هدف ذلك أن تضع الحرب أوزارها، فلا يقدروا على استئناف العدوان، ثم أخبر سبحانه أنه ليس محتاجاً إلى جهادنا، فلو شاء لانتصر منهم بغيرنا، فإن له جنود السموات والأرض، وما يعلم جنود ربك إلا هو، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون، إنما الحكمة في ذلك أن يختبر إيماننا، ومدى استعدادنا للتضحية من أجل البشرية، وإقرار السلم في الأرض، وليكون جهادنا لهم وإثخاننا فيهم لوناً من العقوبة لهم على الكفر والعدوان؛ لعلهم يتقون، أو يُحْدِثُ لهم ذِكْراً؛ فإننا حين نجاهدهم، وحين يجدون فينا غلظةً ونحن أضعف ناصراً، وأقلُّ عدداً، يحمل بعضهم على التساؤل: كيف ننتصر عليهم ونحن أذلة أقلة؛ لولا أن الله عز وجل هو الذي ينصرنا؛ لأننا نحمل الحق، ونجاهد لإقراره في الأرض، ولَينصرنَّ الله مَنْ ينصره؟!، وحين يقفون على الجواب يكون سبباً في هداية بعضهم، وإصرار البقية على الكفر والعدوان بعد أن قامت الحجة عليهم؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حَيَّ عن بينة.

وأما الآية الثانية في صدر المقال فيخبر فيها سبحانه بأن حقيقة الصراع، وهو المعبَّر عنه بقوله: (ذلكم)، ثم بَشَّر بأنه متكفلٌ دائماً بتوهين كيد الكافرين؛ فإنه لا يحيق المكر السَّيِّء إلا بأهله، وما يمكرون إلا بأنفسهم، وما يشعرون.

وإن مما أوهن به كيد الصهاينة أنْ أتاهم من حيثُ لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب بجيلٍ من المراهقين، ليس لهم سوابق أمنية؛ حتى يأخذوا حذره منهم، كما أن قدرتهم على التعامل مع الإعلام الجديد والشبكات قد أرهق العدو من أمره عسراً، وما لديهم من البأس الشديد، جعل جميع الفرقاء في المنطقة متوجسين من ترحيل المحتلين والمستوطنين من الضفة الغربية لفلسطين، والعدوة الشرقية للقدس، كما أخرجناهم من غزة قبل عشر سنين أذلةً صاغرين.

وما ذلك على الله بعزيز

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .