سُنَّةُ اللهِ في الاستبدال تطال ما في منظمة التحرير من الفِصال

  • بتاريخ : 2015-09-18
  • مرات القراءة : 552
سُنَّةُ اللهِ في الاستبدال تطال ما في منظمة التحرير من الفِصال

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( سُنَّةُ اللهِ في الاستبدال تطال ما في منظمة التحرير من الفِصال )

 

] إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  [ 

التوبة (39)

يبدو أن أبا مازن ماضٍ في خطوته الأحادية، بجمع ما تيسَّر من الناس باسم المجلس الوطني، ممن يسمح لهم الاحتلال بالوصول إلى رام الله، أو الوصول إلى مكان انعقاد المجلس؛ حتى لو كانوا من حاضري رام الله، ويزعم بذلك أنه قد جدَّد شرعيته في تمثيل الشعب الفلسطيني، متوكئاً على فصائل كانت يوماً ما موجودةً، ولم يَبْقَ منها اليوم إلا أطلالها ويافطاتها، وربما بقي عدد من العجزة الذين لا زالوا محتفظين باسمها؛ نظراً لوجود نصيبٍ لها في الميزانية.

أما الأحزاب أو الفصائل الشابة التي أثبتتْ حضوراً شعبياً يستحوذ على شطر الشعب الفلسطيني على الأقل؛ فهؤلاء ليس لهم نصيب في مقاعد المجلس الوطني، وما يتفرع عنه من مؤسسات، ما داموا رافضين لنهج أوسلو، والتعاون الأمني مع الاحتلال، وما داموا متشبثين بالمقاومة وثوابت القضية الفلسطينية، وبالأخص إذا كانوا من الحركات الإسلامية، أو الدائرين في فلكها.

ومن هنا تعالت الأصوات مؤخراً للاصطفاف، وإفشال تلك الخطوة الأحادية، وإكراه أبي مازن على الرجوع لاتفاق القاهرة، وتفعيل الإطار القيادي، أو اعتبار منظمة التحرير عجوزاً عقيماً، لا تمثل إلا مجموعة من الموتى، ويتلاعب بها شركاء متشاكسون في قبيلة سياسية واحدة، وهناك منتفعون لم يَلْفِظُوا أنفاسهم الأخيرة، لكنهم على طريق التلاشي، بل إن فصيل أبي مازن الذي يؤويه سيتلاشى في زمنٍ قياسي وفق سنن الله الواحد القهار، ومنها سنة الاستبدال التي دَلَّتْ عليها آية المقال وأخواتها.

ذلك أن الروم وهي أكبر امبراطورية، وأعظم قوة مادية في العهد المدني للنبوة، قد راقبت دخول الناس في دين الله أفواجاً، وتخوفتْ من صعود قوة الإسلام، وقد تزامن هذا مع وصول بعض المنافقين إلى الشام؛ كأبي عامر الفاسق، للتحريض على حرب دولية تحتلُّ المدينة المنورة، وتقضي على الإسلام، بعد أن جاء الحقُّ، وظهر أمر الله وهم كارهون، ولم يستطع أولئك المنافقون تقويض الإسلام بالفتن الداخلية، وإغراء القبائل بالزحف علينا، وهو نوعٌ من التنسيقِ الأمني.

وقد انتهز الرومان مرورنا في عام قَحْطٍ قَلَّ فيه المال، والظَّهْر، والسلاح، وحشدوا لتحقيق أحلامهم، وتقدموا إلى البلقاء قريباً من حدود الحجاز، وحين ترامت تلك الأنباء إلينا، حرَّض النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين على الجهاد بأموالهم وأنفسهم، وأخبرهم عن وجهته –على خلاف عادته- حتى يأخذوا أقصى ما يطيقون من الأهبة، وتباطأ أناس من المنافقين وضعاف الإيمان عن الجَهَاز والخروج، فأنزل الله عز وجل قرآناً يعاتبهم فيه على التثاقل إلى الأرض عندما استنفروا لملاقاة الروم، وتساءل عما إذا كانوا قد رضوا بالحياة الدنيا بديلاً عن الآخرة والجنة، وأخبرهم بصيغة الحصر أن متاع الحياة الدنيا لا يساوي شيئاً بالقياس إلى الفردوس، فهو دون جناح بعوضة، وليس أكثر مما تحمله أصبع أُدْخِلَتْ في البحر.

ثم جاء في آية المقال، وكشف عن سنة ربانية، هي سنة الاستبدال، وخلاصتها أن الذين يتركون الجهاد، ويتباطؤون عن النفير للقتال، مُتوعَّدون بعذابٍ أليم، حين يُسَلِّطُ أعداءهم عليهم؛ فريقاً يقتلون، ويأسرون فريقاً؛ بل إنهم إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة، وإذا جاسوا خلال الديار فربما تركوها خاوية على عروشها؛ ليتساءل الناس: أنَّى يُحيي هذه اللهُ بعد موتها.

وحالئذٍ فإنه جلَّ جلاله يكون قد هَيَّأ قوماً آخرين، يحملون لواء الدين، ويجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم، ولن يَضُرَّ القاعدون إلا أنفسهم، فراية الجهاد ستظل مرفوعة، ومن يكفر بها ويتخلى عنها؛ فقد وَكَّلَ الله بها قوماً ليسوا بها بكافرين.

لقد تأكدت سنة الاستبدال بأكثرَ من آية؛ فإنهم لمَّا دُعُوا إلى الإنفاق في سبيل الله بعد معركة أُحُدٍ؛ لإعادة بناء القوة والهيبة، فبخل بعضهم؛ أنزل الله فيهم:

" هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ " سورة محمد (38)

كما أن المنافقين عندما سارعوا في الولاء لبني النضير بعد هَمِّهم بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الله آيات في المائدة، ومنها:

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ..." الآية (54)

هذا وقد تربَّى عناصر الفصائل في منظمة التحرير على الأَخْذِ لا على الإنفاق، وقد تَخَلَّوْا عن النفير منذ جنحوا إلى الكفاح السياسي، والتفاوض مع اليسار الصهيوني، وانتهى أمرهم إلى مقاولة أوسلو لقمع الشعب الفلسطيني، والتطبيع، وتصفية القضية، وفي هذا الإطار تجيء الخطوة السياسية الأخيرة، ولهذا فقد آذنوا جميعاً بزوالٍ، وكنا نحن الوارثين، بما أننا آمنا بما أنزل الله، واتبعنا الرسول، واستمسكنا بالمقاومة والتحرير، فَلْيفعلوا ما يشاؤون، فما هي إلا اضطراب الغريق قبل أن يَلْفِظَ أنفاسَه، وإنَّ الله قد كتب في الزبور من بعد الذكر أن أرض فلسطين يرثها عباده الصالحون، وإننا لنرجو أن نكون عبادَ الله أُولي البأس الشديد الذين بعثهم على اليهود؛ ليسوؤوا وجوههم، وليدخلوا المسجد الأقصى كما دخله أسلافهم أول مرة، وليتبروا ما علاه بنو إسرائيل تتبيرا.

وما كان الله ليضيع إيمانكم وجهادكم؛ إنه بكم رؤوف رحيم

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .