القرآن إنذار بعاقبة الحصار بَدْءاً بقحط الديار، وانتهاء بالدمار

  • بتاريخ : 2015-07-27
  • مرات القراءة : 608
القرآن إنذار بعاقبة الحصار بَدْءاً بقحط الديار، وانتهاء بالدمار

 

 

 القرآن إنذار بعاقبة الحصار بَدْءاً بقحط الديار، وانتهاء بالدمار


( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ . فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ . أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ  ) 

الدخان (3-5)

تؤكِّد هذه الآية أن القرآن العظيم قد أنزله الله، أو شَرَعَ في إنزاله، في ليلةٍ مباركة، هي ليلة القدر، وقد اختار الزمنَ المبارك؛ لينزل فيه الكتاب المبارك؛ لتكون البركة نوراً على نور، وقد كشف عن إحدى حِكَمِ إنزاله؛ فإذا هي ليكون للعالمين نذيراً، وليُنْذِرَ بأساً شديداً من لدنه، وقد أنذرهم عذاباً قريباً يوم ينظر المرء ما قدَّمت يداه، ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً، فهو الإنذار بالأخذ الأليم الشديد في الدنيا، وبالعذاب العظيم في يومٍ عقيم في الآخرة.

هذا؛ وقد عرضتْ بقية السورة نموذجين للبطشة الكبرى في الدنيا، وطوتْ أنباء من تَمَارَوا بالنُّذُر من قوم تُبَّعِ والذين من قبلهم، والمرجَّح أن قوم تُبَّعٍ هم سبأ الذين كان لهم في مسكنهم آيةٌ جنتانِ عن يمينٍ وشمال، فأعرضوا فأرسل عليهم ربُّهم سَيْلَ العَرِمِ، وبَدَّلهم بجنتيهم جنتين ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خمط، وأثلٍ، وشيءٍ من سدرٍ قليل، وجعلهم أحاديثَ، ومزَّقهم كلَّ مُمَزَّقٍ.

ثم ناقشتْ كفرةَ قريش في بعض معتقداتهم، وخاصة النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون، وأكَّدتْ أن يوم الفصل في اختلافاتهم مِيقاتُهم أجمعين، وعرَّجتْ على مصير أبي جهل وأضرابه، فإنهم لآكلون من شجرٍ من زقوم، ثم يُدَعُّونَ إلى سواء الجحيم، ويُصَبُّ فوق رؤوسهم من عذاب الحميم، ويقال لهم توبيخاً وتقريعاً: ذُقْ إنك أنت العزيز الكريم، إنَّ هذا ما كنتم به تشكون وتلعبون، وهذا هو مصير أكابر مجرميها في كلِّ سلطةٍ أو حكومةٍ، أو حلفٍ عسكري يريدونها بطراً، ورِئاءَ الناس، ويصدون عن سبيل الله، من الصهاينة، ومَنْ معهم من الأحلاف العربية والغربية، ومن البَجَم والعَجَم.

فأما النموذج الأول للمُنْذَرين الذين يُخَوِّفُهم ربهم، فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً، فهو قريش التي بلغ من بطشها وعُتُوِّها أن يضطر بنو هاشم وبنو المطلب أن يُدْخِلوا النبيَّ والذين آمنوا معه إلى شِعْب أبي طالب لحمايتهم، فما كان من قريش إلا أنْ ضربتِ الحصار عليهم قريباً من ثلاث سنين، مع المقاطعة التامة، فلما اضطروا إلى أكل أوراق الشجر ما كان منه عليه الصلاة والسلام إلَّا أن دعا عليهم بسبعٍ كسبع يوسف عليه السلام، فأخذهم ربهم بالجدب والسنين، ونقصٍ من الثمرات، لعلهم يرجعون، فلما عَضَّهم الجوع كان أحدهم ينظر إلى السماء فوقهم، فَيُخَيَّلُ إليه أنها تأتي بدخانٍ مبين، ثم فزعوا إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام، ووعدوه بالإيمان به؛ إذا هو دعا ربَّه أن يرفع القحط ونقص الثمرات، وقد أخبر سبحانه أنهم سيعودون بعد رفعه إلى الكفر والتكذيب، وعندها سيبطش بهم البطشة الكبرى انتقاماً من الذين أجرموا، وكان حقاً عليه نصر المؤمنين.

وما أشبهَ مصيرهم هذا بمصير الفراعنة الأولين، فإنهم أُخذوا بالسنين ونقص الثمرات، ثم بالطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم، آياتٍ مُفَصَّلاتٍ، واحدةً بعد الأخرى، وأخبر سبحانه أنه ما يُريهم من آيةٍ إلا هي أكبرُ من أختها، وفي كلِّ مرة كانوا يفزعون إلى سيدنا موسى؛ ليدعو ربَّه برفع العقاب عنهم، فإذا فعل آمنوا به، وأرسلوا معه بني إسرائيل، فلما أدرك سيدنا موسى عليه السلام أن لا مطمعَ في إيمانهم دعا عليهم بطمس أموالهم، وإحكام إغلاق قلوبهم، فلا يؤمنوا؛ حتى يروا العذاب الأليم، فأغرقهم ربُّهم أجمعين، وجعلهم سَلَفاً ومَثَلاً للآخرين، ونحن نرى اليوم ما حلَّ بالآخرين من فراعنة مصر؛ حيثُ أُخِذوا أولاً بالضائقة الاقتصاية، ثم إنه الآن قد أذاقهم لباسَ الجوع والخوف بما كانوا يصنعون، ولن يطول زمانٌ حتى يأخذهم بالطوفان البشري عبر المسيرات والاعتصامات، وما يلوح من ألوان المقاومة كذلك.

إن هذا هو مصير كل الذين يحاصروننا من الصهاينة، وأذنابهم في التنسيق الأمني، وذئابهم من الأمريكان، وبعض الصليبيين، والوثنيين في الأرض، أن يُخَوِّفَهم أولاً بالآيات، وخاصةً بالضائقة الاقتصادية، وقد يُبْدُون رغبةً غيرَ صادقةٍ في رفع الحصار، وإعادة الإعمار، وإنهاء القطيعة بالحوار، ثم لا نلمس تغييراً جوهرياً ذا بالٍ على الأرض، حتى إذا لم يَرْعَوُوا أصابهم ربُّهم بعذابٍ من عنده، أو بأيدينا، فَلْيتربصوا إنا معهم متربصون، يوم نبطش البطشة الكبرى؛ إنا منتقمون.

إن هذا العقاب الدنيوي لن يُعْفيَهم من العقاب الأخروي، ذلك الذي عرضته السورة في الثلث الأخير منها، وعطفتْ عليه مصير الرسول والذين جاهدوا معه، فإذا هم في مقامٍ أمينٍ في جناتٍ وعيون، يلبسون من سُنْدًسٍ وإستبرقٍ متقابلين، كذلك وزوَّجهم ربهم بِحُورٍ عينٍ، يَدْعُونَ فيها بكلِّ فاكهةٍ آمنين، لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأُولى، ووقاهم عذاب الجحيم، فضلاً من ربِّك، ذلك هو الفوز العظيم، وذلك جزاء من تَزَكَّى بأنْ كان ممن ينفرون خفافاً وثقالاً، ويجاهدون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله.

ومن المفيد أن أشير إلى أن السورة قد ذكرتْ من فضائل ليلة القدر غيرَ احتضانها لاستهلال نزول القرآن، أنه فيها يُفْرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم، حيثُ يُفْصَلُ من اللوح المحفوظ، ويدفع إلى الملائكة المختصة بإيقاعه في الأرض خلال عام قادم كاملٍ، وأن هذا كان بأمر الله وتكليفه الذي أرسل رسوله رحمة للعالمين.

ولا يسعني في ختام هذه العُجالة عن حكمة الإنذار لنزول القرآن إلا أن أدعو الله جلَّ وعلا أن يُفَقِّهَنا في القرآن تلاوةً واتِّباعاً، وأن يجعله والصيامَ مع القيام شفعاء لنا يوم القيامة مع الشافعين الآخرين، وتقبل الله منا ومنكم، وكلُّ عامٍ وأنتم بخير.

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .