استحباب النشر لفضائل ليلة القدر والليالي العشر

  • بتاريخ : 2015-07-27
  • مرات القراءة : 735
استحباب النشر لفضائل ليلة القدر والليالي العشر

 

 

( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ .وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ .لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ . سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) 

القدر (1-5)

بدخول العشر الأواخر نكون قد اقتربنا من أفضل ليلة في السنة، كما أن يوم عرفة هو أفضل يوم طلعت فيه الشمس، ولذلك فقد كان نبيُّنا عليه الصلاة والسلام حريصاً على اعتكاف العشر كلها؛ حتى لا تفوته ليلة القدر فيفوته ثوابها، وما فيها من نفحات ورحمات.

ومن المعلوم أن ليلة القدر قد اختصَّ الله تبارك وتعالى بها هذه الأمة، بعد أن أشفق نبينا عليه الصلاة والسلام علينا، حين علم أن رجلاً من بني إسرائيل قد لبس السلاح ألف شهر، فنظر إلى أمته، فتقاصر أعمارها، وتقالَّ أعمالها، فأعطاه الله تبارك وتعالى ليلة القدر، وجعل القيام فيها والطاعة خيراً من جهاد السابقين ألف شهر، وحين نعلم أنه لا يكاد يعبد الله هذه المدة من هذه الأمة إلا النزر اليسير، فمن ذا الذي يعيش بعد البلوغ ما ينيف على ثلاثة وثمانين عاماً، ويقضيها مطيعاً ملتزماً، ولذلك فإن رصيد أحدنا في هذه الليلة من الأجر يفوق حصيلة أجره في كل عمره، فإذا وفَّقه الله لإدراكها في كل حَوْلٍ حتى يأتيه اليقين كان في أعلى عليين، فكيف لو علمنا أن هناك تأويلاً آخر يرى أن الألف لمطلق التكثير، وأن المراد أن الطاعة فيها خير من العبادة في آلاف الشهور؛ استئناساً بآية البقرة عن اليهود:

".. يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ .." الآية (96)؟!.

وقد تناولت سورة القدر طائفة من فضائلها غير ما ذكر أنها احتضنت نزول القرآن، سواء أريد بالنزول صدر سورة العلق التي تسبق هذه السورة في ترتيب المصحف، أو أريد به نزوله جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وهي بهذا تكون قد شهدت وضع حجر الأساس لهذا الدين، وبداية ميلاد خير أمة أُخْرِجت للناس، ويكفينا شرفاً موجباً للشكر أن هذا القرآن وحده قد صرنا به الأمة الوسط الشاهدة على الناس، وفيه لا في غيره ذكرنا ومكانتنا بين الأمم، فقد أصبحنا بحمله عقيدة وسلوكاً، ثم دعوة وجهاداً أصحاب الشهادة على الناس، أي أهل السيادة والريادة والقيادة.

ومن فضائلها تنزل الملائكة بصحبة جبريل بعددٍ يجعل الأرض تضيق بمن عليها، وهذا هو أحد أسرار تسميتها بليلة القدر؛ لأن من معاني القدر الضيق؛ فإن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وربما كان سبب ذلك أن الله عز وجل قد ضيقَّ على عباده حين أخفاها في العشر الأواخر، أو في الوتر منها؛ ليجتهدوا في كل تلك الليالي، فيعظم أجرهم زيادة على ثواب ليلة القدر، ومن أسباب تلك التسمية أن القدر هو الشرف، وهي أشرف ليالي السنة على الإطلاق، ومن أسبابها أن القدر مأخوذٌ من المشيئة والإرادة، فما قَدَّره ربُّنا من أحداث الكون، وأفعال العباد يفصل من اللوح المحفوظ، ويدفع للملائكة الموكلة به؛ حتى توقعه على الوجه الذي شاءه من خلق كلِّ شيءٍ بقدر، وكل شيءٍ عنده بمقدار.

ولعل تنزيل الملائكة بذلك العدد الهائل منهم يعود لمباهاة الله إياهم بنا، فقد نعتونا يوماً بالإفساد في الأرض، وسفك الدماء، فأكَّد لهم أنه يعلم مالا يعلمون، وقد أراد في هذه الليلة أن يروا مصداق علمه عملياً، كما أنهم يشهدون لنا يوم القيامة بالطاعة، فضلاً عن تأمينهم على سُؤْلِنا ودعائنا، ويكفينا شرفاً أن جبريل عليه السلام الذي كان ينزل على نبيِّنا بالوحي قد نزل علينا في هذه الليلة في جيش جرَّار من الكرام البررة المُطَهَّرين.

وأما السلام فيها حتى مطلع الفجر، فيحتمل تسليم الملائكة على القائمين والعاكفين والركع السجود، أو أن الله سبحانه لا يقدر فيها إلَّا الخير والسلامة، وغير ذلك من التأويلات.

هذا؛ وإن الاشتغال بكل أنواع الطاعات لا حرج فيه، غير أن المستحب هو الإكثار من الصلاة، وإطالة التلاوة فيها مع التدبر والخشوع الذي يجعل القائمين يخرون للأذقان يبكون، ويزيدهم خشوعاً؛ ليكونوا ممن إذا تُليت عليهم آيات الرحمن خَرُّوا سجداً وبُكِيَّاً، وإذا سمعوا ما أُنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، يقولون: ربنا آمنا، فاكتبنا مع الشاهدين.

غير أني أُنَبِّه إلى أن أعظم العبادة أجراً هي الاشتغال بواجب الوقت، فالمرابطون المكلفون بذلك رباطهم خيرٌ من صلاتهم، بخلاف من يريد الرباط نافلة؛ فإن رباطه في المساجد خير له من الثغور، وهكذا الطبيب المناوب، والمرأة ذات الأطفال الرُّضَّع، وأصحاب البرامج الليلية في الإعلام، ونحوهم.

ومما ورد في علامات ليلة القدر أن الشمس تشرق صبيحتها بيضاء لا شعاع لها، ولعل السرَّ في ذلك أن نور الملائكة الصاعدة من الأرض يعكس خيوط الشمس، فلا تُرى إلا بيضاء دون شعاع، وهذا أوثق ما قيل في علاماتها، ومما قيل في ذلك أن مصابيح السماء لا تنفصل منها الشهب التي تحرق الشياطين الصاعدين لاستراق السمع، ولعل السبب في ذلك هو هروب الشياطين من الملائكة المنهزمة إلى الأرض، وقيل أيضاً: إن السماء تكون صافية بَلِجَةً كأن بها قمراً منيراً .. إلى غير ذلك من الأمارات.

ويستحبُّ لمن رأى أمارة على ليلة القدر أن يكتمها، وألَّا يتحدث بها؛ خشية الرياء، أو رؤية النفس، فإنها تَسْلِبُ الكرامة، وربما يورثه ذلك استرخاءً وكسلاً اتكالاً على الكرامة، أو يوقعه في الحسد، كما قال سيدنا يعقوب لابنه وهو يعظه:

" يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا .." يوسف (5)

ومما ينبغي التنبيه إليه ضرورة الإخلاص لله، أو الإيمان والاحتساب في القيام، أي أن يكون الدافع لذلك الإيمان بعظيم حقِّ الله علينا، وهو الحي القيوم القائم على كل نفسٍ بما كسبت، فنحن نقوم شكراً لنعمة القيومية علينا، وأن نحتسب ذلك لوجه الله والدار الآخرة، فلا نبغي عليه أجراً في الدنيا، حتى نكون من الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، أو ممن هو قانتٌ آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة، ويرجو رحمة ربِّه.

ومن حكم قيام الليل أن يكون وسيلة لطلب الإفلات من النار، أو الزحزحة عنها؛ فإن الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً يقولون: " رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا . إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا " الفرقان (65، 66)

وإن قيام الليل هو أحد أهم الأسباب في دخولنا في الجنات والعيون آخذين ما آتانا ربنا، فقد كان أولئك المكرمون في الجنات الوارثون للفردوس، قليلاً من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون، فقد كانوا من الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار.

ولا بد من التنبيه إلى أن الله عز وجل قد ألقى علينا قولاً ثقيلاً، وأمرنا بقيام الليل؛ لنكون قادرين على حمل القول الثقيل، وإعلاء هذا الدين على الدين كله، ولو كره المشركون، كما أن ربنا سبحانه حين أمرنا بأن نسجد له من الليل، وأن نُسَبِّحه ليلاً طويلاً؛ نعى على الذين يحبون العاجلة، ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً، فلا يسجدون بالليل ولا يسبِّحون، ولذلك فإنني أنصح كلَّ واحد منا بما خاطب الله به نبيَّه عليه الصلاة والسلام: " وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا " الإسراء (79)

ربَّنا تَقَبَّلْ منا؛ إنك أنت السميع العليم 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .