بالصيامِ والحسام نتطهرُ من دَنَسِ الانهزام ومن شَبَهِ الأنعام

  • بتاريخ : 2015-06-20
  • مرات القراءة : 634
بالصيامِ والحسام نتطهرُ من دَنَسِ الانهزام ومن شَبَهِ الأنعام

 

( بالصيامِ والحسام نتطهرُ من دَنَسِ الانهزام ومن شَبَهِ الأنعام )

 

( فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) 

البقرة (249)

ضاع أربعة أخماس فلسطين عام 48م، وذهب الخُمُسُ الباقي مع ثلاثة أضعاف فلسطين من الدول المجاورة منذ 48 سنة؛ فما السرُّ الحقيقيُّ في قدرة مَنْ جعل الله منهم القردة والخنازير وعَبَدَ الطاغوت على اقتطاع كل ذلك من جسد الأمة العربية والإسلامية؟!!.

إن المفارقة هنا هي أن اليهود أَجْبَنُ خلق الله على الإطلاق، فهم أحرصُ الناس على حياةٍ، حتى لو ضُربت عليهم فيها الذلة والمسكنة، ولذلك فقد رفضوا دخول فلسطين في زمن سيدنا موسى عليه الصلاة السلام؛ لأن فيها قوماً جبارين، وقالوا: اذهب أنت وربُّك فقاتلا؛ إنا ههنا قاعدون، وإن السرَّ في هذا هو انهزام نفوسهم أمام الشهوات، وبالأخص البطون والفروج، فهم الذين اسْتَسْقَوْا موسى عليه الصلاة والسلام، فأوحى إليه ربُّه أن اضربْ بعصاك الحجر، فانبجستْ منه اثنتا عشرة عيناً، ثم قالوا له: لن نصبر على طعامٍ واحدٍ، فَادْعُ لنا ربَّك يخرجْ لنا مما تنبت الأرض من بَقْلِها وقِثَّائها، وفُومها، وعدسها، وبصلها.

وقد ظلَّ بنو إسرائيل مهزومين أمام بطونهم حتى لُعِنوا على لسان داوود وعيسى بن مريم، أما في عصر داوود عليه الصلاة والسلام فقد اعتدوا في السبت؛ لمَّا لم يصبروا على الحرمان من الحيتان فقط، وأما في زمن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام فقد كفروا بعد نزول المائدة؛ حيث لم يقتنعوا بمعجزاته التي وصلت إلى حَدِّ إيجاد الحياة من الطين للطيور، فضلاً عن أنه جاء مصدقاً للتوراة، ولِيُحِلَّ لهم بعض الذي حُرِّم عليهم، ومع ذلك فقد أصروا على نزول مائدةٍ من السماء، قائلين: نريد ان نأكل منها، وتطمئن قلوبنا، ونعلم أنْ قد صدقتنا في ادِّعاء النبوة، ونكون عليها من الشاهدين، فلما أحسَّ عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله، قال الحواريون نحن أنصار الله، ولكنهم في مقابل ذلك راحوا يطلبون مائدةً من السماء، فاستجاب لهم ربهم، غير أنه توعَّد من يكفر بَعْدُ منهم أن يُعَذِّبَه عذاباً لا يُعَذِّبُه أحداً من العالمين، ولما لُعِنوا على لسان عيسى بن مريم جعل منهم الخنازير، وحين بَيَّتوا قتله رفعه الله إليه، وطهَّره من الذين كفروا.

ثم إن أول فتنةِ بني إسرائيل كانت في النساء، ولا زالت أعراضهم أرخصَ شيءٍ عندهم، وسيرتهم فيها تستحيي منها البهائم، غير أنهم قد استطاعوا بالأبضاع والأموال أن يصطادوا كثيراً من الزعامات والصعاليك ممن يريدون الحياة الدنيا وزينتها، وتمكنوا بذلك أن يجلبوا إليهم حبال الناس من أمثالهم؛ لترتفع عنهم الذلة حيناً من الدهر.

ولذلك فإن فريضة الصيام التي ارتقتْ؛ لتكون أحدَ الأركان الخمسة للإسلام، قد قامت على مقصد تهذيب الشهوات، وعلى وجه الخصوص البطون والأبضاع، فإنها قد انحطَّتْ ببني إسرائيل من التفضيل على العالمين إلى أن يكون مثلهم كالحمار يحمل أسفاراً، وأن يكون مثل كثيرٍ من أحبارهم كالكلب؛ إنْ تحملْ عليه يلهثْ، أو تتركْه يلهثْ، فضلاً عما لَحِقَ بهم من المسخ، أو التهديد بطمس وجوههم، أو رَدِّها على أدبارها، ليكون مشيهم بعدها بالقهقرى، والرجوع إلى الوراء.

هذا؛ وإنَّ آية المقال تحدثنا عن القلة التي لم ترفض فريضة الجهاد ابتداء، ورضيتْ بقيادة طالوت، أنه عندما مَرَّ بهم على نهر الأردن وهم في غاية الظمأ؛ أراد أن يختبر صبرهم على شهوة الحياة حين القتال بصبرهم على شهوة العطش؛ فضلاً عن أن الجندي الظمآن إذا ارتوى ارتخى، وضعفت قواه عن مواصلة الزحف والمسير، ولذلك فقد نهاهم عن الشرب؛ إلَّا من اغترف غرفةً بيده، وأن من يشرب لا يؤذن له في حضور القتال، فشربوا منه إلا قليلاً منهم، وإن قلة القلة تلك عندما برزوا لجالوت وجنوده، فوجدوهم مائة ألف أو يزيدون؛ قالوا: لا طاقةَ لنا اليوم بجالوت وجنوده، فهم ينظرون إلى موازين القوة المادية في العدد والعتاد، لكنَّ قلة منهم كانوا موقنين بلقاء الله، مشتاقين إلى المغفرة والجنة، قالوا: كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله، والله مع الصابرين، فقد نظروا إلى تجارب إخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان والقتال والانتصار، وأيقنوا بمعية الله للصابرين المصابرين، فتضرعوا إلى الله، وهزموهم بإذن الله، ولم يضرهم أنهم قلة مستضعفون.

إن اليهود قد انتصروا على أمثالهم من الأنام الذين هم دون دركة الأنعام؛ فقد استطاعوا نَشْرَ الخنا والرذيلة فيهم، وعِشْقِ كبائر الإثم والفواحش، فقضموا فلسطين؛ بل وجدوا من بني جلدتنا من ينحاز إليهم من قبل موبقة أوسلو ومن بعدها، ومن يتوسل إليهم بالموافقة الشكلية على المبادرة العربية، وما هي بعربية، غير أن العرب بغير الإسلام كانوا دائماً في ذيل القافلة البشرية، ولسان حالهم ومقالهم: " إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا .." القصص (57)، ولكنهم حين دخلوا في دين الله أفواجاً جعلهم ربُّهم عباداً له أُولي بأسٍ شديد، فجاسوا خلال ديار اليهود، فريقاً يقتلون، ويأسرون فريقاً، وإن ردَّ الكرة لليهود علينا كان بسبب امتلاكهم لأسباب الانتصار، وهي إمدادهم بالأموال والبنين، وجعلهم أكثرَ نفيراً، فقد غلبوا قطعاناً عربية، لا تفقه سرَّ الصوم، ولا تدري ما الكتاب ولا الإيمان، وانتصروا عليهم في خمس حروبٍ هزلية.

ولكن الأمل بعد أربعين سنة من ضياع فلسطين قد انعقد على ثورة المساجد في الانتفاضة الأولى، ثم بعد أربعين سنة على ضياع المسجد الأقصى والقدس كنا نكنس الاحتلال عن قطاع غزة، ونطهره من الفلتان، ثم صمدنا لثلاث حروبٍ دولية، وانتزعنا خيرة أسرانا في صفقة وفاء الأحرار الأُولى، ونحن متفائلون بصفقةٍ جديدةٍ منظورةٍ إن شاء الله، والأمل أن يكون دخولنا المسجد كما دخله الصحابة أول مرة قاب قوسين أو أدنى، ما دام شبابنا قد جَسَّدوا فلسفة الصوم في أخلاقهم، فهم يتطلعون إلى جنةٍ عرضُها السموات والأرض، وإلى رضوان الله الأكبر مُذْ باعوا أنفسهم وأموالهم لله.

وإن غداً لناظره قريب.

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .