أيُّ مغنم في اتِّقاء حَرِّ الدنيا بنار جهنم؟!

  • بتاريخ : 2015-06-20
  • مرات القراءة : 680
أيُّ مغنم في اتِّقاء حَرِّ الدنيا بنار جهنم؟!

 

( أيُّ مغنم في اتِّقاء حَرِّ الدنيا بنار جهنم؟! )

 

( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ . فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) 

التوبة (81 ، 82)

مَرَّ بنا موجة حَرٍّ، كأنما جاءت من بلاد عاصفة الحزم، أو عاصمة الحرم، فقد جاوزت حدَّ الأربعين، وصار الجو خارج البيوت كأنما هو فَيْح التنور، أو الأفران، وما البيوت منه بأمثل، ما لم تكنْ قد زُوِّدت بأجهزة التبريد، ولا أشكُّ أن الله عز وجل ما يرسل بالآيات إلا تخويفاً؛ فقد أراد أن يعظنا عملياً حين يذيقنا من الكرب ما يذكرنا بيوم الحشر العَبُوس القمطرير.

وقد جاء في الحديث أن جهنم قد اشتكت إلى ربها، فقد أكل بعضها بعضاً من طول الإيقاد عليها، فأذن لها بَنَفَسَيْنِ، نفسٍ في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشدُّ ما تجدون من البَرْدِ فهو من زمهرير جهنم، وأشد ما تجدون من الحر فمن فَيْحِ جهنم.

وإذا كان اشتداد القيظ من أثر هبوب نَفَس جهنم علينا، فما بالكم بمن يكونون في سموم وحميم، وظلٍّ من يحموم، وهو دخان الجحيم، إذْ تقول الملائكة لفريق السعير: انطلقوا إلى ظلٍّ ذي ثلاث شُعب، لا ظليلٍ ولا يغني من اللهب، حيث يكون دخانها عن أيمانهم وعن شمائلهم، ومن فوقهم، فأين المفرُّ؟، ولهم فيها زفير وشهيق من أثر الاختناق، وهم يصطرخون فيها قائلين: ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل، ربنا أخرجنا منها فإنْ عُدْنا فإنا ظالمون، فهل إلى خروجٍ من سبيل؟، وما هم بخارجين من النار، يريدون أن يخرجوا من النار، وما هم بخارجين منها، ولهم عذاب مقيم ... إذا كان الحرور من فيح جهنم، ونحن لا نكاد نطيقه؛ فكيف بمن كُبْكِبوا فيها هم والغاوون، وجنود إبليس أجمعون، أو بمن أُلْقُوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين، أو كانت عليهم مؤصدة، في عمدٍ ممددة؟!!

أما آية المقال فتحدثنا عن المنافقين الذين كانوا إذا أنزلت سورة أن آمِنوا بالله، وجاهدوا مع رسوله، استأذنك أولو الطَّوْل منهم، وقالوا: ذرنا نكنْ مع القاعدين، وكانوا إذا أنزلت سورة محكمة، وذُكِر فيها القتال؛ رأيتهم ينظرون إليك نَظَرَ المغشيِّ عليه من الموت، وقالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال، لولا أَخَّرتنا إلى أجل قريب، ويتولون وهم فرحون.

إن هذه الآية تنعى عليهم أنْ فرحوا إذْ تخلَّفوا عن رسول الله، ورغبوا بأنفسهم عن نفسه، لأنهم كرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله؛ بل راحوا يتواصون أن لا تنفروا في الحَرِّ، أو أنهم بهذا كانوا يُثَبِّطون المؤمنين عن الخروج، فهم من المُعَوِّقين القائلين لإخوانهم: هَلُمَّ إلينا، ولا يأتون البأس إلا قليلاً.

ومن المعلوم أن سورة التوبة قد رسمت لوحةً فَنِّيَّةً لغزوة تبوك، تلك التي زحفنا فيها في العام التاسع من الهجرة تلقاء الروم، بعد عامٍ من القحط، والابتلاء بشيءٍ من الجوع، ونقصٍ من الأموال والثمرات، وتحت لهيب الشمس مع اشتداد الصيف، وقد اجتمع مع ذلك قلةُ الظَّهر، وبُعْدُ الشقة، وكثرة العدو، فالروم بعد أن انتزعت نصرها على فارس صارت هي القوةَ المادية العُظْمى في ذلك الوقت، ولم يكن قتالهم كقتال العرب، فإن الهيبة منهم قد ملأت الآفاق، وحسبُنا أن الله عز وجل قد سمَّاها ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق من المؤمنين، لولا أن تاب عليهم، وثَبَّتَ أقدامهم، وأراهم ما يحبون، فقد هُزِم الروم بالرعب مسيرة شهر، فَوَلَّوا مدبرين، وانتصر جيش العسرة عليهم دون كرٍّ أو فَرٍّ، فقد رضي الروم من الغنيمة بالإياب، والتقهقر إلى أعماق الشام متخذين من أوليائهم العرب في شمال الحجاز، وأطراف الشام، دروعاً بشرية، وقد اضْطُرَّ أولئك المناذرة المتنصرين في الجاهلية إلى إعطاء الجزية عن يَدٍ وهم صاغرون.

وقد ردَّ الله على المنافقين القاعدين المتذرعين بالحرِّ بأن نار جهنم أشدُّ حَرَّاً، وأين حَرُّ الصيف من نار الدنيا؟!، وكذلك أين نار الدنيا من نار جهنم؛ فإن النار التي تُورُونَ جزءٌ من سبعين جزءاً من نار الآخرة، فهي نار الأنيار، وأين حَرُّ الصيف من نار جهنم، أو لظى، أو سقر، أو السعير، أو الجحيم، أو الهاوية، أو الحطمة؟!!

إن المنافقين لو كانوا يفقهون لخرجوا إلى الاشتباك مع الروم، ومع مَنْ هم أشدُّ منهم قوة وأكثر جمعاً، حتى لو أثاروا الأرض، وعَمَروها أكثر مما عمروها؛ لأنهم بذلك يتقون برمضاء الصيف والحرب ناراً إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً، أمَا وأنهم لم يفقهوا ذلك فليضحكوا في هذه الدنيا قليلاً؛ فإنها في الآخرة لا توازي  يوماً، أو بعض يوم، بل كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، وإن وراءهم بكاءً كثيراً لا ينقطع، خاصة بعد أن يقول لهم ربهم: "اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ " المؤمنون (108)، ويدعون على أنفسهم بالهلاك، فيقال لهم: "لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا " الفرقان (14)، ويقال أيضاً: "فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" الطور (16).

إن هذا الوعيد سيطال إن شاء الله من يجمعون علينا حَرَّ الحصار إلى حَرِّ السلاح والعدوان، سواء كان ذلك بإغلاق حسابات الجمعيات الخيرية، وحرمان الأيتام والمساكين، أو بتحويل المعبر إلى سَمِّ الخياط، أو تلك الدول والمؤسسات الدولية التي تتهم المقاومة بارتكاب جرائم حرب؛ تباكياً على عدد محدود من العملاء، وتعاطفاً مع المستوطنين، أو الذين يمكنون للاحتلال من إحكام القبضة على المسرى وبيت المقدس، وعموم فلسطين حتى حين، ما لم يتوبوا توبة نصوحاً.

 

  ولا يحيق المكر السَّيِّءُ إلا بأهله

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .