في ذكرى النكبة: الجهل بسنن التحرير هو سِرُّ الخيبة

  • بتاريخ : 2015-06-20
  • مرات القراءة : 696
في ذكرى النكبة: الجهل بسنن التحرير هو سِرُّ الخيبة

 

( في ذكرى النكبة: الجهل بسنن التحرير هو سِرُّ الخيبة )

 

( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ  ) 

البقرة (246)

إن كثيراً مما يُلقى من الندوات أو الكلمات  في ذكرى النكبة يَتَّسِمُ بالبكائيات التي تُعيد سبب نكبتنا عام 1948م إلى بريطانيا، أو عموم أوروبا، والعالم الصليبي، وربما عُلِّقَ على شَمَّاعة الجيوش العربية التي كان يقودها (كلوب باشا) الإنجليزي، ولا زالت بعض الجيوش العربية تحت إمرة أمثاله، وما (دايتون) عنا ببعيد!!

ومن المعروف أن الصحابة رضي الله عنهم عندما أصابهم القرح يوم أُحُدٍ في الجولة الثانية تَعجَّبوا، وقالوا: أَنَّى هذا؟!، فأجابهم ربُّهم: \"قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ \" آل عمران (165)، فإنه ما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبتْ أيديكم، ويعفو عن كثير، ولو يؤاخذ الله الناسَ بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة، ولكنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجلٍ مسمَّى؛ فما هي المصيبة التي وقعنا فيها حتى عُوقبنا بإخراجنا من ديارنا طيلة هذه المدة التي يوشك أن تسلخ عقدها السابع؟

إن هناك أسباباً عدة، ولعل أشدَّها علينا هو قلة الدراية بسنن الله في التغيير، وفي التحرير، فقد تاهتْ أمتنا وشعبنا أربعين سنةً في صحراء القوميات، وبيداء القُطْرِيّات، وفَيافي عبودية الشخص الواحد المهيمن على المال والقرار، فيعتقد الناس أنه يبسط الرزق لمن يشاء ويَقْدِر، وبمقدار ما تُنافق بمقدار ما تكون كالمبيع النافِق، ولكنك حين تبيع كرامتك وشهامتك تمسي كالسَّخْل النافق؛ أي الميت، فلا تُحِسُّ منهم من أَحَدٍ، ولا تسمع لهم ركزاً، ويؤول الجيل إلى غثاء كغثاء السيل، فتتداعى علينا الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قَصْعَتِها، وينزع الله المهابة من قلوب أعدائنا منا؛ ألم تروا أنه قد أتى علينا حين من الدهر، لا يكاد الواحد يعثر على فرصة عمل ذات مردود مادي أعلى من دخله في بلده حتى يشدَّ الرحال إلى هناك، ولو أننا حملنا الدعوة معنا إلى شعوبنا العربية لَكُنَّا اليوم قادة تلك الشعوب، لكنهم لم يجدوا فينا القدوة، فإما أن يكون هدف الواحد منا هو جباية المال بالوظيفة والعمل الإضافي، أو يضاف إليه نشر الإلحاد، أو الانحلال في تلك البلاد، حتى صار الفلسطيني بغيضاً لأهلها في كثير من الأحوال

أما آية المقال فهي مستهل قصة طالوت والفئة القليلة المؤمنة الذين نصرهم الله على مائة ألف أو يزيدون، وإن تلك القصة وأمثالها يؤخذ منها معالم تحرير فلسطين من براثن الصهاينة الغاصبين، كما يتضح من البنود التسعة التالية:

1)  أن يقتنع الملأ من الشعب بوجوب السعي للتحرير، وأن تنبعث فيهم الهمة لتلك المهمة، والملأ هم أصحاب النفوذ والقرار في الأمة الذين يملؤون العيون والقلوب مهابة.

2)  إن التحرير لا يتحقق إلا بالقتال في سبيل الله، وهو بيع النفس والنفيس لله في مقابل المغفرة والجنة، ودفاعاً عن المستضعفين، وتطهيراً للأوطان والمقدسات، وحتى لا تكون فتنةٌ، ويكونَ الدين كلُّه لله، وليس في مقابل سلطة تسمى زوراً بالدولة، وحتى لو نعتوها بالإمبراطورية، وقد سمَّى العرب في الجاهلية الأصنام آلهة.

3)  أن تكون قيادة التحرير على درجة من الأهلية والكفاءة، وأن يكون المَلِك أو القائد قد أوتى بسطة في العلم والجسم؛ ليكون خبيراً عسكرياً، ويهابه عدوه، بينما يكون آسراً لقلوب جنوده باللين والمحبَّة.

4)  ألَّا ينخدع القائد بالعواطف الراغبة في التحرير؛ إذا كانت النفوس تنطوي على الجبن والوهن؛ فإن بني إسرائيل لما كُتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم، وكان مَثَلُهم كالجيل الذي قال لموسى: اذهب أنت وربُّك فقاتلا؛ إنا ههنا قاعدون.

5)  ويستحبُّ أن تكون قيادة التحرير من غير السِّبط أو الفصيل الذي شاخ في القيادة؛ فإن ذلك يورث البلادة في الذِّهن والهمة، وليس شرطاً أن يُؤتى سَعَةً من المال، فإن القائد لو أنفق ما في الأرض جميعاً ما أَلَّفَ بين قلوب الجنود، ما لم يجمعها على الزهد في الدنيا، وابتغاء رضوان الله، وطلب الفردوس الأعلى.

6)  وينبغي أن تتمتع تلك القيادة بالشرعية التي تدفع الناس إلى السمع والطاعة عن رضىً وقناعة، وقد كانت بالنسبة لطالوت أن يأتيهم التابوت فيه سكينة من ربِّهم، وأما في زماننا هذا فإنه تابوت الاقتراع في الانتخابات الحرة والنزيهة.

7)  وعلى القيادة أن تختبر مدى قدرة الفئة التي رضيت بفريضة القتال على الصمود أمام شهوة الحياة بالصمود أمام شهوة العطش، فإن الجيوش تصاب بالظمأ والنصب والمخمصة، ومَنْ هَزَمَتْهُ نفسه أمام شهوة الجوع أو العطش فأحرى أن يَفِرَّ من أول المعركة.

8)  إن أعظم سلاح للتحرير هو الإيمان بلقاء الله، والجزاء في الآخرة الذي يجعل الشوق إليها دافعاً لطلب الشهادة، والقتال بكل صلابة، مهما كانت فئتهم قليلة، أو كانت عُدَّتُهم متواضعة.

9)  وعليهم أن يتضرعوا إلى الله بأن يُفرغ عليهم صبراً، وأن يثبت أقدامهم، وأن ينصرهم على القوم الكافرين، وحالئذٍ فلسوف يَهزمون عدوَّهم بإذن الله.

وأحسب أن هذه المعالم قد أخذنا بأحسنها، وتحققت في مقاومتنا، وقد نصرنا ربُّنا في مواطنَ كثيرةٍ في بضع السنين الماضية، وأملُنا في الله أن نُنجز التحرير الكامل في بِضع السنين القادمة، ما دمنا عباداً لله أولى بأسٍ شديد، وقد جعلنا ربنا أكثر نفيراً.

 

وهو نعم المولى، ونعم النصير

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .