لا ينبغي الإهمال في حِرْفَةٍ للأشبال، أو مِهْنَةٍ للرِّجال، في ذكرى يوم العُمَّال

  • بتاريخ : 2015-05-10
  • مرات القراءة : 669
لا ينبغي الإهمال في حِرْفَةٍ للأشبال، أو مِهْنَةٍ للرِّجال، في ذكرى يوم العُمَّال

 

 

( لا ينبغي الإهمال في حِرْفَةٍ للأشبال، أو مِهْنَةٍ للرِّجال، في ذكرى يوم العُمَّال )

 

( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ . يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) 

سبأ (12، 13)

في مستهلِّ شهر أيَّار من كلِّ عام تقوم المنابرُ والمؤسساتُ الإعلامية، وكثيرٌ من المؤسسات الخِدْميَّة، بالحديث عن هموم العمال وحقوقهم، وكلَّ ما يتعلق بهم، ثم تهدأ تلك الحملة؛ انتظاراً لرأس الشهر من العام القادم، وقَلَّما يتغير شيءٌ على الأرض بخصوصهم، وكأنه نوع من التعاطف الخِطابي الهادف إلى التخفيف النفسي عن العمال، ثم تمضي الحياة رتيبةً في حقهم، وتبقى جيوش العمال بلا عمل، أو بأجورٍ زهيدة، بينما يستأثر أرباب العمل، والشركات الكبرى بنصيب الأسد من الأرباح والثمرات.

وبهذه المناسبة وَدِدْتُ أن أشير إلى أن ديننا الإسلامي قد رفع من قيمة العمل حتى جعله عبادةً أو عملاً صالحاً نتقرب به إلى الله؛ حين نقصد به عمارة الأرض، وإسعاد الخَلْق، وامتلاك القوة التي تُنْقِذُ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان من رِقِّ الخضوع للذين يريدون عُلُوَّاً في الأرض، أو فساداً، وحتى لا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله؛ بشرط أن يكون العمال ممن لا تُلْهِيهِم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن يكونوا ممن يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار.

إن من أمسى كالَّاً من عمل يده أمسى مغفوراً له، كما جاء في الحديث، وفيه أيضاً أنه ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه إنسان، أو طير، أو بهيمة، إلا كان له به صدقة، وإن اليدين الخشنتين من آثار العمل يحبهما الله ورسوله، وما أكل أحدٌ طعاماً قَطُّ خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبيَّ الله داوود كان يأكل من عمل يده –كما جاء في الحديث أيضاً، على الرغم من ان الله عز وجل قد آتاه الملك والنبوة، وجعله خليفةً في الأرض؛ ليحكم بين الناس بالحق، ومع ذلك فقد كان حَدَّاداً، وأَلانَ له ربُّه الحديد، فلا يحتاج إلى عَرْضِهْ على  النار، وقد سخَّر خبرته في التصنيع الحربي، وبالأخص الدروع السابغة، فقد كان يصنعها من الحلقات المتداخلة الضيقة السَّرْد؛ حتى لا ينفذ منها السهم، وقد أرشده أن يجتهد في العمل الصالح شكراً لفضل الله تعالى عليه، فكان يصوم يوماً، ويفطر يوماً، وكان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه؛ حتى يصحو نشيطاً للفجر، حتى إذا أشرقتِ الأرض بنور ربَّها شرع في صناعة السلاح.

أما آية المقال فتخبرنا أن سيدنا سليمان بن داوود، وقد ورث أباه في النبوة والملك، قد سخَّر له الريح عاصفةً تجري بأمره، وما احتاج إلى شهرٍ ذهاباً، وشهرٍ إياباً كان يقطعه في عشيةٍ أو ضحاها، فُغُدُوُّها شهرٌ، ورَواحُها شهر، ومن نعم الله عليه أن أَسَالَ له عيناً من نحاس، فهي تنبع من الأرض، ولم يكن في حاجةٍ إلى النار ليذيب ذلك القِطْر، وكان عُمَّالُهُ من الجنِّ والشياطين، فهم يعملون بين يديه بإذن ربه، وقد هدَّدهم بأن مَنْ يزغْ منهم عن أمره فإنه متوعَّدٌ بعذابٍ أليم؛ فضلاً عن سجنه، وتقييده في الأصفاد، فهم يعملون له ما يشاء من محاريب أو معابد، وتماثيل يوم لم تكن محرَّمةً، ويصنعون الجفان بسعة الجوابي، والجفنة هي وعاء الأكل الذي يؤخذ فيه من القدور، وأما الجابية فهي حوضٌ يشرب منه الدواب، وإذا كانت الجفنة كذلك فكيف بحجم القدور؟!، إن الآية تصفها بالراسيات التي لا تتحرك من أماكنها، ولعلَّ السرَّ في ذلك أن جنوده كانوا من الجنِّ والإنس والطير، وقد أوتي ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده.

وقد أمره ربُّه أن يشكروا هذه النعمة عملياً؛ بأن يقصدوا بتلك الصناعة المدنية وجهَ الله أولاً، ثم نَفْعَ خَلْقه ثانياً؛ ليكونوا من عباد الله القليل، فقليلٌ ما هُم الذين يشكرون نعمة ربهم، ويُحَدِّثُونَ بها عملياً.

إن أنبياء الله عز وجل كانوا أرباب حِرَفٍ، فهذا نوحٌ عليه السلام كان نجاراً ماهراً، وكذلك إبراهيم عليه السلام كان بنَّاءً، وقد رفع القواعد من البيت، وبمعونة أبينا إسماعيل عليه السلام، وأما نبيُّنا عليه الصلاة والسلام فقد رعى الغنم في صباه على قراريط لأهل مكة؛ أيْ بالقليل من الدراهم أو القروش، ثم حذق التجارة، فكان صدوقاً أميناً، وكان مَثَلُهُ مع خديجةَ رضي الله عنها كمثل سيدنا موسى مع المرأة التي جاءته تمشي على استحياء، فقد كان مَهْرُها أن يرعى أغنامها لأبيها ثمانيَ حِجَجٍ، فإنْ أتمَّ عشر سنين فهو المتفضِّل، وأما سيدنا يوسف فكان تحت يده فتيانٌ يعملون في المخازن، ويعطون كلَّ واحدٍ كَيْلَ بعيرٍ لا أكثر؛ لتقنين التموين، بينما استعان ذو القرنين بالأيدي العاملة؛ لإقامة رَدْمٍ بين يأجوج ومأجوج المفسدين في الأرض، وبين المستضعفين المقيمين دون السَّدَّيْن، أي الجبلين العظيمين.

لذلك فالواجب علينا أن نُعَلِّمَ أبناءنا شيئاً من الحِرَفِ أو بعض المهن، وهم غلمان، خاصةً في حقبة البطالة هذه في الخريجين، وإن معظم أبنائنا يَتَخَرَّجون من الجامعات، وينتظرون بضعَ سنين حتى يحصلوا على وظيفة متواضعة، وهم يأنفون حين يَفْرُغُون من التعليم العالي أن ينخرطوا في الأعمال  اليدوية، ما لم يكونوا قد أُدْمِجوا فيها مبكراً، ولا زالوا مرتبطين بها إلى أن تأتي الفرصة المناسبة، وقد كان لهم أسوةٌ حسنةٌ في إبراهيم وعموم الأنبياء والذين معهم من المؤمنين، فقد كانوا يَرَوْنَ الرجل فيعجبهم، فإذا قيل: لا عمل له سقط من أعينهم؛ فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، ولو أخذ حبلاً وفأساً، واحتطب؛ لكان خيراً له من القعود مع الخالفين، فَخُذُوا بالأسباب، وعلى الرَّزَّاق ذي القوة المتين فتح الأبواب.

 

 وهو خير الرازقين

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .