من فضائل العام ألفين وأربعةَ عشر أن الله فضَّلنا فيه على كثيرٍ من البشر

  • بتاريخ : 2015-01-13
  • مرات القراءة : 726
من فضائل العام ألفين وأربعةَ عشر أن الله فضَّلنا فيه على كثيرٍ من البشر

 

 

( من فضائل العام ألفين وأربعةَ عشر أن الله فضَّلنا فيه على كثيرٍ من البشر)

 

وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ) 

النمل (15)

جرتِ العادة أنه مع نهاية كلِّ عام، واستقبال حولٍ جديد، أن تتناول الأقلام بالرصد أهمَّ الأحداث التي احتضنها العام المنصرم بخيرها وشَرِّها، وربما ركَّز الكثيرون على المجازر والكوارث بأكثرَ مما يُذَكِّرون بأيام الله، وأَنْعُمِهِ على عباده.

ولهذه المناسبة؛ فإنني أركض وراء جملةٍ من الأحداث تتعلق بقضيتنا الفلسطينية؛ عسى أن نجد فيها بشائر الأمل في عامنا القادم، أو في بضع سنين قادمة، ولعل أول ما أودُّ الإشارة إليه هو المصالحة بين حركتي فتح وحماس، وما تبعها من تشكيل حكومة الوفاق الوطني، أو حكومة التوافق في لَقَبِها الأَشْهر، وإن أكثر المتحدثين يتناولونها بالتشاؤم أو التشاتم، بعد أن تبين أن تلك المصالحة قد انطوتْ على خديعةٍ كبرى؛ فقد أُرِيدَ بها إخراج حركة حماس من شرعية الحكم، وتَرْكِ غزةَ وهمومِها في وجه حماس، غير أنني انظر بإيجابيةٍ كبيرةٍ لتلك المكيدة؛ فإن الله عز وجل يقول:

" وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ . وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ .." الأنفال (62، 63)

إن من وجوه النصر فيها أن يكتشف الناس من الذي يعطِّل المصالحة، ومن الذي ينشدها بصدقٍ، منذ عام 2005م، وليس من اتفاق الشاطئ، ومن تلك الوجوه أن تظل حركة المقاومة ساهرةً على أمن الشعب ومصالحه، رغم خروجها من  الحكومة، وفُقْدَانِها بعض الدعم الذي كانت تتلقاه وهي في الحُكْم، وقد ظهرتْ معادن الرجال المرابطين في مواقع العمل وخدمة الجمهور، دون أن يحصلوا على رمق الحياة لشهورٍ طويلة، خاصة وهم يرون المستنكفين يستمتعون بالأموال وهم جالسون، ثم ينتفضون لتأخر العلاوات السنوية، ولا يستحي أكثرهم أن يجلس في حظيرته وهو مُدَرِّسٌ، ثم يرسل جميع أبنائه للدراسة عند من لا يحصلون على أجرة الطريق، وذاك طبيبٌ مستنكف يتردد أفراد أسرته على المشافي، والعيادات الحكومية عند الحاجة، ويحصلون على العلاج من الذين يشدون الأحزمة، أو يربطون الحجارة على بطونهم، ومن أروع صور العطاء والوفاء أن يكون الشرطيُّ الذي لا يتلقى راتباً هو الذي ينظم المستنكفين أمام الصَّراف الآلي، ويتدخل لِفَضِّ الخصومات بينهم؛ لأنك تحسبهم جميعاً وقلوبهم شَتَّى.

ولعل أهمَّ تلك الوجوه هو اليقين بضرورة تصعيد المقاومة في القدس والضفة الغربية؛ ما دام الاحتلال وأعوانه لازالوا يُؤَمِّلون أن ينتزعوا بالحصار ما لم يستطيعوا الحصول عليه بالعدوان والنار، وقد رأينا بوادر الانتفاضة والمقاومة في اختطاف ثلاثة جنود؛ لإنقاذ أسرانا من العذاب المهين عقوداً من السنين، وقد كان من آثار ذلك انتفاضة السكاكين، والدَّهْس، والأحماض، وغيرها من صور المقاومة.

وقد تدحرجت الأحداث من بعد ذلك إلى أن تصاعدت عدواناً كبيراً على قطاع غزة، وهو ما عُرِفَ بالعصف المأكول، وهو من الأحداث العِظام التي نزلت بساحة القطاع، ولئنْ كان الدمار في البيوت، والمصالح الاقتصادية فاحشاً؛ غير أنه لا يختلف عاقلان في أن الله عز وجل قد أتى شركاء العدوان من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب، وكانت المفاجآت القسامية، مع صمود الشعب، وشراكة بعض الفصائل، قد ألحقتْ أذىً كثيراً بالاحتلال؛ لدرجة إساءة وجوههم –بتعبير سورة الإسراء- فقد نُسِفت نظريته الأمنية في الحروب التي لا يزالون يُوقدون نارها، ويطفئها الله بِلُطْفِهِ ورحمته، فقد اعتادوا الحرب الخاطفة، وأن ينقلوا النار إلى ساحة الخصم، بينما يظل المدنيون منهم والمستوطنون يشاهدون الحرب في وسائل الإعلام، مع إحداث الصدمة والترويع بالهجوم الواسع، واتِّباع سياسة الأرض المحروقة؛ حتى لا يفكر أحدٌ في استفزازهم تارةً أخرى، ويتفاخرون بقوات النخبة، وأنهم يملكون جيشاً لا يقهر، فقد ظنوا أنهم مَانِعَتُهُمْ حصونُهم من الله، فأتاهم الله من حيثُ لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب، فالحرب لم تَعُدْ خاطفةً، إنما نافت على الخمسين يوماً، واضطر قرابة خمسة ملايين أن يمكثوا هذه المدة في الملاجئ تحت الأرض، بعيداً عن اللهو والرقص، والتسكع على الشواطئ، وفي الأسواق، والملاهي، حيثُ انتقلتِ النار داخل الدار، وتعطلت المصالح والمطارات، بينما رجع المئات من قوات النخبة في النعوش من أثر الحرب البَرِّيَّة، أو قذائف الهاون التي اصطادتهم وهم متقهقرون بضعة كيلومترات.

وأما الردع والإرهاب فقد تآكل، وهبط إلى الصفر، حين اندفعوا لاستنفار كامل قوتهم ونحن نقاتلهم من مسافة صِفْر، فلم نَعُدْ نرهب منازلَتهم، وإن عادوا إلى العدوان عدنا لِدَكِّهم في كلِّ مكان، ولن تُغني عنهم فئتهم شيئاً، ولو كَثُرَتْ؛ يقيناً منا بأن الله مع المؤمنين، خاصةً وأن أهم دروس العصف المأكول ضرورة ألا تظلَّ الساحات الأخرى متفرجةً وغزة تقاوم؛ لتشتيت قوات العدو، وتوسيع دائرة اللهب بفتح جبهات جديدة؛ حتى يضطر العدو إلى توسل التهدئة من جديد.

إن آية المقال تَسُوقُ خبراً مشفوعاً بالقَسَم، فاللام في كلمة (لقد) موطئة للقسم، دالة على اليمين، ومفاده أن الله عز وجل قد آتى كلاً من داوود وولده سليمان علماً وفضلاً، وأنهما حَمِدَا الله عز وجل أن فضَّلهما بذلك على كثير من عباده المؤمنين، ولعل أبرز مظاهر ذلك الفضل هو القوة العسكرية؛ فقد أَلان لداوودَ عليه السلام الحديد، وعَلَّمه صناعة السلاح والدروع التي تُحْصِنُكم من بَأْسِكم؛ لعلكم تشكرون، بينما أُوتي سيدنا سليمان عليه السلام مُلكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده، وحُشِرَ له جنوده من الجنِّ والإنس والطير، فهم يُوزعون، وقد كان الجنُّ ماهرين في العمارة والصناعة المدنية، فهم يعملون له ما يشاء من محاريبَ، وتماثيلَ، وجِفانٍ كالجوابي، وقُدورٍ راسيات، إلى درجة أن عَبَّروا بعد اكتشاف موته متأخرين؛ أنْ لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين، وقد تَأَتَّى لذلكما النَّبِييْنِ أن يقيما مملكة إسلامية في القدس والشام عَمَّرت تسعين عاماً من قبل أن يفقدها بنو إسرائيل بفسادهم، وتركهم الجهاد في سبيل الله، وإلَّا فإنَّ سيدنا سليمان عليه السلام قد استطاع بالتفوق العسكري، وبجنود لا قِبَلَ للناس بهم، أن يحمل بلقيس ومملكة سبأ على أن يأتوا إليه مذعنين، وأن يدخلوا في الإسلام وافرين، دون إِيجاف خيلٍ ولا ركاب، وكان يزور تلك المملكة على متن الريح وجه النهار، ويرجع آخره، مع أنها كانت تحتاج إلى شهرٍ ذهاباً، وشهرٍ آخرَ إياباً.

لقد كان فضل الله علينا عظيماً؛ فقد أعاننا على التصدي لثلاث حروب دولية في أقلَّ من سِتِّ سنين، وفضَّلنا بذلك على كثيرٍ من خلقه تفضيلاً، ففي الوقت الذي نحتفي فيه بذكرى الانطلاقة بمسير عسكري، نستعرض فيه طرفاً من القوة؛ فإن إخواننا في الضفة قد قُمِع احتفالهم الشعبي؛ فضلاً عن الملاحقة الغاشمة من اليهود ومَنْ والاهم، فكان منهم بشهادة سورة المائدة في الآية (51، 52)، بينما الاحتلال نفسه في أزمةٍ سياسيةٍ بعد الذهاب إلى انتخابات مبكرة، فضلاً عن أزماته الأمنية، والاقتصادية، وافتضاح جرائمه في أوروبا والعالم.

وإذا الْتفتنا إلى الجوار؛ فإن مَصْرَ في ورطةٍ سياسيةٍ وأمنية، مع وُشُوكِ الانهيار الاقتصادي، خاصة بعد هبوط سعر البترول، وتقلص الدعم الخليجي إلى أبعد مدىً منذ الانقلاب قبل ثمانيةَ عشرَ شهراً، وأما الأردن فيتهددها خطر الزحف الداعشي الذي يجتاح كلاً من سوريا والعراق، وترتجف منه لبنان والسعودية، مع خطر الحوثيين في الجنوب، وأما ليبيا واليمن فهما في محنة عظيمة، وأما تونس والمغرب العربي فالجمر فيها تحت الرماد، ومن هنا أتساءل: أيُّ الفريقين أحقُّ بالأمن إن كنتم تعلمون؟، والجواب: " الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ " الأنعام (82)، وإننا لنرجو أن نكون منهم، وأن نكون الطائفةَ المنصورةَ ببيت المقدس، وأكنافه.

والحمد لله الذي فضَّلنا على كثير من عباده المؤمنين

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .