تأصيل المشروعية لاستعراض القوة العسكرية والحاضنة الشعبية

  • بتاريخ : 2014-12-30
  • مرات القراءة : 446
تأصيل المشروعية لاستعراض القوة العسكرية والحاضنة الشعبية

 

 

( تأصيل المشروعية لاستعراض القوة العسكرية والحاضنة الشعبية )

 

( ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ  ) 

النمل (37)

بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لقذف الحجر الأول على الاحتلال، وقد تزامن مع إطلاق لقب حركة المقاومة الإسلامية على جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، فقد احتفلت تلك الحركة بمسيرٍ عسكري لكتائب الشهيد  عز الدين القسام، استعرضت فيه ثُلَّةً من رجالها، وحفنةً من أسلحتها التي طوَّرتها بأيديها، وانتهى بمهرجان خطابي للجناحين العسكري والسياسي للحركة، وقد تضمَّن الخطابان عدة رسائل بلغة الواثق بمعية الله ونصره، ولعل أبرزها ما كان للأسرى، ثم للعدو الصهيوني، قيادةً ومستوطنين؛ فضلاً عن الرسائل الموجهة لشعبنا الفلسطيني، وأمتنا العربية والإسلامية، وتوجيه الشكر لكل من يدعم صمودنا ومقاومتنا، مع أن حاجة الأمة والجوار العربي لنا أكبر من حاجتنا إليهم، فالمشروع الصهيوني يحلم بِالْتهامِ الشرق الأوسط الكبير، ونحن نجابه الاحتلال في خط الدفاع الأول، ولو ضعفت شوكتنا؛ فقد يصل الاحتلال إلى قلب العواصم العربية في أيام معدودات، وإذا كان الداعمون مشاركين بالمال فإننا مساهمون بالرجال والعيال؛ فضلاً عن الديار والأموال، والأهم أننا لا نَمُنُّ على أحدٍ بجهادنا؛ إنما نتقرب به إلى الله؛ رجاء المغفرة والجنة، وأخرى تحبونها؛ نصرٌ من الله، وفتحٌ قريب.

إن آية المقال تؤصل لمشروعية العروض العسكرية؛ فإن سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام، وقد ورث الخلافة الإسلامية عن أبيه داوود عليه الصلاة والسلام في أرضنا المباركة، كان يستعرض جنوده من الجن والإنس والطير، فهم يُوزَعون، أيْ يُضَمُّ آخرهم على أَوَّلِهم في صفوف مرصوصة، وقد عُرِضَ عليه بالعَشِيِّ الصافنات الجياد، وظلَّ يستعرضها من العصر إلى مغيب الشمس، أو أن مساحة العرض كانت من السعة بحيث تركض فيها الخيل حتى تتوارى بالحجاب، وتغيب عن الأنظار، وكان قد بعث برسالةٍ مع الهدهد يدعو فيها ملكة سبأ وقومها للإتيان إلى فلسطين مسلمين، وألَّا يكونوا عليه من العالين، كما كلفه أن يتسمع ردود الأفعال على ذلك الكتاب، فإذا بقومها يغترون بما عندهم من القوة المادية، وما يتمتعون به من البأس الشديد، لكنها راحت تُخَوِّفُهم من احتمال الهزيمة وعواقبها؛ فإن الملوك إذا غزوا قرية، ودخلوها فاتحين؛ أفسدوها وخَرَّبوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة، فإن مصيرهم الأَسْرُ والسَّبْيُ، وأن يعودوا عبيداً وخدماً، أو أَرِقَّاء يباعون في الأسواق.

وقد رأتْ أن تختبره بوفدٍ يحمل هدية أو رشوة؛ فإن كان دَعِيَّاً هشَّ لها، وصرف النظر عن دعوته الأُولى، وإذا كان نبيَّاً زهد فيها، وظلَّ مُصِرَّاً على رسالته، كما أن المطلوب من أولئك العيون أن ينظروا فيما تحت تصرفه من العتاد والأجناد.

وما كاد يصله أولئك الجواسيس في ثياب الوفود حتى ردَّ الهدية، وهدَّد المغرورين بقوتهم، والبأس الشديد، أن يأتيهم بجنودٍ لا قِبَلَ لهم بها، كما توعَّد المتوجسة من الذلة أن يخرجها وقومها أذلة وهم صاغرون داخرون ذليلون.

وقد آتتْ تلك الرسالة أُكُلَها، فضلاً عما رآه رُسُلُها من مظاهر التمكين، فقد أُوتي سيدنا سليمان مُلْكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده، وخاصة بساط الريح التي تجري بأمره رخاءً حيث أصاب، أي عند الوصول، والرغبة في النزول، بينما تنطلق مسرعة بعد أن يستوي على ظهرها في جو السماء.

ولذلك فإن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم كان يتخذ من استعراض القوة وسيلةً لهزيمة الراغبين في الحرب بالرعب، حتى يَرُدَّ الله الذين كفروا بغيظهم، ويكفي الله المؤمنين القتال؛ بأن يَكُفَّ أيديهم عنكم، وأيديكم عنهم، وقد هَمُّوا أن يبسطوا إليكم أيديهم، أو فَكَّروا في استئصالكم.

إنه عندما هَمَّ بفتح مكة، وجيءَ بأبي سفيان أسيراً بين يديه؛ أمر بحبسه عند مضيق الوادي؛ ليستعرض أمامه عشرة آلاف مقاتل، يمرون قبيلة قبيلة، وكان آخرهم الكتيبة الخضراء التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحيط به المهاجرون، لا يُرَى منهم إلَّا الحَدَقُ من الحديد، وكان تعليق أبي سفيان: ما لأحد بهؤلاء من قِبَلٍ ولا طاقة، والْتفتَ إلى العباس الذي يرافقه في ذلك الاحتباس، وقال: لقد غدا ملك ابن أخيك عظيماً يا أبا الفضل!!، فأجابه: إنها النبوة يا أبا سفيان، فردَّ عليه: نعم إذاً؛ أي أن الأمر ليس مسألة ملكٍ وسلطةٍ وجاهٍ، إنما هي النبوة والخلافة، ولم يلبث أبو سفيان إلا قليلاً حتى انطلق مسرعاً ينادي: يا معشر قريش: هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبَلَ لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمِنٌ، قالوا: وما تغني دارك؟!، فقال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم؛ إلا من غلبت عليه الحمية حمية الجاهلية من أكابر مجرميها.

وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم حريصاً على حَقْنِ الدماء، وفتح مكة سِلْماً، فَفَرَّق جيشه؛ ليدخل عليهم من أقطارها الأربعة، زيادة في استعراض القوة، والانتصار بالرعب.

وقد كان قبل ذلك بأقلَّ من عام قد دخل مكة لعمرة القضاء بناءً على بنود صلح الحديبية، وقد اشترطوا عليه ألَّا يدخل عليهم إلا بالسيوف في قِرابها، فاحتاط لذلك، وساق معه الخيل والسلاح إلى أطراف مكة؛ لاستعراض القوة والرعب، وكانت قريش قد أرجفت، وقالت: إنَّ محمداً يقدم عليكم وقد وهنتهم حُمَّى يثرب، وبَيِّتوا غدراً، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أمر أصحابه بالاضطباع وكشف الذراع الأيمن، ثم رمل بهم ثلاثة أشواط قائلاً: "رحم الله امرأً أراهم اليوم من نفسه قوة" فإذا بقريش تقول: (ما يرضون بالمشي، إنهم لينفرون نفر الظباء)، وازدادوا بذلك كمداً إلى كمدهم، فإن الحمى لم توهن من عزيمتهم، وهاهم يطوفون في خفة الغزلان.

لقد هزم الله عز وجل اليهود بالرعب في بني النضير، وبني قريظة، ولا زال يهزمهم به، وباعتقادي أن المسير العسكري، والمهرجان الذي كشف عن مدى اعتزاز الغزيين والشعب الفلسطيني بكتائب القسام، وأجنحة المقاومة، قد حقَّق مقاصده، وجعل الصهاينة وأذنابهم يضربون أخماساً في أسداس، ولسوف يفكرون طويلاً قبل اتخاذ قرار تجديد العدوان، ومن يدري فلعلَّ الله قد كفى المؤمنين القتال، لنغزوهم من بعد ولا يغزونا.

 وما ذلك على الله بعزيز.

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .