من المُقَزِّز بعد سبعةٍ وعشرين عاماً أن يقول المُكَزِّز: الكفُّ لا تناطح المِخْرز

  • بتاريخ : 2014-12-30
  • مرات القراءة : 395
من المُقَزِّز بعد سبعةٍ وعشرين عاماً أن يقول المُكَزِّز: الكفُّ لا تناطح المِخْرز

 

 

( من المُقَزِّز بعد سبعةٍ وعشرين عاماً أن يقول المُكَزِّز: الكفُّ لا تناطح المِخْرز)

 

(إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) 

الأنفال (49)

قبل سبعة وعشرين عاماً كان الربيع الفلسطيني الإسلامي قد انفجر في وجه الاحتلال من غزة، وكأنه كان يترقَّب شرارة البداية؛ فإذا بثورة المقاومة تَتَّقِد، وسرعان ما وصل لهيبها إلى الضفة الغربية، على وقع القمع ومواكب الشهداء، فضلاً عن الجرحى والأسرى، وما تركه ذلك من الثكالى، واليتامى، والمطاردين .. إلخ.

ولا بُدَّ من التنبيه إلى أن الضفة والقطاع قد شهدت قبل ذلك عشراتِ المرات التي تندلع فيها مظاهرات ليومٍ أو يومين، وهيهات أن تمتدَّ أسبوعاً، ثم تنطفئ جذوتها، فما الذي استجدَّ حتى يُكتب لتلك الاحتجاجات أن تتأجج، وتسلخ سبع سنين، ولم يُفلح الاحتلال أن يُطَوِّقها لا بالرصاص والمطاط، ولا بالاعتقال والاغتيال، ولا حتى بالإبعاد لأكثر من أربعمائة قائدٍ ومجاهد، حتى وصل به المكر أن يستدعيَ رصيده من المحسوبين علينا من الأرشيف، ويبرم معهم اتفاقية العار والخزي، وبذلك ينقل الصراع إلى اقتتالٍ داخلي، يُنهِكُ فيه الشعب الفلسطيني بعضُه بعضاً، فَيُمسي الاحتلال آمناً بضع سنين؟!

إن الجديد في تلك السنوات الخالية هو أنه قد مضى على ثُلَّةٍ من الآخرين من دعاة الإخوان المسلمين قرابة عشرين من السنين، وهم ماضون في محاربة التيه الفكري، والإلحاد العَقَدِيّ، الذي كان يزعم أن الدِّينَ أفيون الشعوب، وأنه تخلفٌ ورجعية، أو حتى خيانة وعمالة للإمبريالية والصهيونية، مع السعي لنشر الفضيلة وتطويق الرذيلة؛ إيماناً منا أن تحرير الأوطان رهينٌ بتحرير الإنسان، والجواب ببساطة أن الإسلام قد دخل سلاحاً في المعركة، وبسواعد الذين انطلقوا من المساجد، حيث رياض الجنة والجلوس لتلاوة كتاب الله ومدارسته، فإذا بالملائكة تَحُفُّهم، وبالرحمة تغشاهم، وبالسكينة تتنزل عليهم، ويزدادون بذلك إيماناً ونوراً، فإذا أضافوا إلى ذلك مطالعة السنة والسيرة، كانت مع القرآن نوراً على نور؛ وقد أنشأنا الله بذلك خلقاً آخر، أعاد كثيراً من الشعب الفلسطيني سيرته الأُولى، وقد صبرنا على سفه السلطة، وأجهزتها الأمنية القمعية، حتى نُفْشِلَ خطة الاحتلال؛ انتظاراً لِلَحْظَةِ الانفجار من جديد.

وقد شاء الله تبارك وتعالى أن تكون هذه المرة من ساحات المسجد الأقصى؛ لتجدد روح ثورة أشبال المساجد، وتختزل تجربة سبع سنين في سبعة أسابيع؛ حيث بدأ الاشتباك المسلح، والاتجاه إلى التصنيع والتطوير، وكان من بركاته ما حصل في القطاع من التطهير للاحتلال، ثم للاختلال الشهير بالفلتان والفوضى الخلاقة، وما لها في الأخلاق من خَلَاق.

إن الذي يهمني في هذا المقال هو أن صنائع الاحتلال لطالما قاموا فقالوا: إن الكفَّ لا يناطح المخرز؛ فإنه لا قِبَلَ لنا بالآلة الصهيونية الجنونية، وأن الانتفاضة في وجه الاحتلال، وخاصة المقاومة العسكرية نوع من الانتحار، وهو عملٌ عبثيٌّ، يَجُرُّ على الناس المصائب، وأن علينا أن نتوقف عن استفزاز الصهاينة، إلى ما هنالك من التعويق والتثبيط، وقد كنا موقنين أن هؤلاء عملاء، أو جهلاء، أو جبناء، وإنْ برزوا في ثياب الواعظين، أو زعموا أنكم لا تحبون الناصحين.

إن آية المقال تحدثنا عن نموذج من هؤلاء برز يوم بدر؛ حين علموا بقرار مجابهة النفير، فقد اسْتُدْرِجَ الرسول والذين آمنوا معه إلى بدرٍ استدراجاً، وما ظنوا أن ينازلوا جيشاً زاحفاً، وهم أذلة أقلة، فقد كانت ابتداءً أشبهَ بنزهةٍ يسيطرون فيها على عِيرِ أبي سفيان، فقد كان فيها قرابة ثلاثين رجلاً، فَخَفَّ إليها فوق ثلاثمائة، وما كانوا يشكون أن تكون فَيْئاً دون إيجاف خيلٍ أو ركابٍ .. فماذا قال المنافقون والذين في قلوبهم مرض؛ أيْ أنصاف المنافقين؟

لقد أخبرت الآية أنهم قالوا: " غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ "؛ وأنهم وقعوا في خديعة كبرى ظانين أن العقيدة وحدها دون تحقق ميزان القوة يمكن أن تغلب، فماذا يغني مجموعة من المشاة، ولم يأخذوا للقتال عدته، بل لم يخوضوا معاركَ من قبل، وقد جاءهم ثلاثة أضعافهم من المدجَّجين بالحديد، وقد بَيَّتُوا النية على استئصالنا لتأمين رحلة الصيف إلى الشام، فإنَّ اقتصاد مكة قائم على جباية الثمرات والأقوات من خارجها؛ لتنتعش الأسواق في موسمي الحج والعمرة؟!.

لقد كانت الصدمة مدوية وهم يروننا ننتصر ونحن أذلة، فقد استطاع الكفُّ أن يكسر المخرز، والسرُّ في هذا أن الله هو مولانا، وقد تكفل أن ينصرنا بما شاء من جنود السموات والأرض، ولو لم تَرَوْها، فالنعاس قبل الحرب، والمطر ليلتها، وأَلْفٌ من الملائكة مُرْدِفين، والسكينة ينزلها في قلوب المؤمنين، والرعب يلقيه في قلوب الكافرين، وغير ذلك من الأجناد هي التي أيَّدنا الله بها، ونصرنا على القوم الكافرين.

ومن أمثلة مواقف النفاق والتثبيط ما قاله المنافقون، والذين في قلوبهم مرض، يوم الخندق: (يعدنا محمد كنوز كسرى وقيصر وأَحَدُنا لا يأمن أن يذهب لقضاء حاجته، ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً).

ثم كانت الفاجعة لهم حين ردَّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال، أيِ الدفع والمقاومة، لنغزوهم بعد ذلك ولا يغزونا، بل وأكرمنا كذلك بالقضاء على بني قريظة الذين ظاهروهم لقتلنا وإبادتنا، وأورثنا أرضهم، وديارهم، وأموالهم، وأرضاً لم تطؤوها، هي أرض خيبر والفتوحات من بعد.

ولعل الصدمة الأكبر كانت يوم الحديبية؛ فقد ظنَّ المنافقون والمنافقات بالله ظنَّ السَّوْء، وانضمَّ إليهم الأعراب في الاعتقاد بأنْ لنْ ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً، وزُين ذلك في قلوبهم، وظنوا ظنَّ السوء، وكانوا قوماً بُورا.

وقد كانت النتيجة أن أعلنت قريش عجزها عن مجابهة تلك المجموعة المُحْرِمة الزاحفة في مسيرة سلمية، لا يحملون إلا السيوف في قِرابها، يرغبون في كسر الحصار، أو الإحصار الذي يمنعهم من حقهم في العمرة، وقد ظهر ذلك العجز في ميلهم إلى الصلح، وطلب هدنةٍ لعشر سنين.

وهناك مثال عظيم لقدرة الكفِّ المؤمنة على مناطحة المخرز الكبير، إنها غزوة تبوك، أو غزوة العُسْرة، حيث القحطُ والقيظ، وقلة المال والعتاد، مع أن العدو في هذه المرة هم الرومان الذين انتزعوا نصرهم على الفُرْس، وأَضْحَوْا أعظم قوةٍ ماديةٍ على وجه الأرض في ذلك الزمان، وهاهم المنافقون يقولون: (يظنُّ محمدٌ وأصحابه أن قتال بني الأصفر كقتال العرب، والله لكأننا ننظر إليهم غداً مُقَرَّنِينَ في الحبال).

ثم كانت الصاخَّة عليهم حين علموا أن الرومان قد فَرُّوا من وجوهنا، ونصرنا الله عز وجل عليهم بالرعب مسيرة شهر، فقد كان نَصْراً عظيماً، ولو لم تُسْتَلَّ فيه السيوف، فإن ملوك بني الأصفر صاروا يهابون من جاؤوا إلى تبوك رجالاً، أو يتعاقبون على كل ضامرٍ لكل ثلاثة أو أربعة.

إن العجب العُجاب ليتملكنا ونحن نرى من لا زال يَجْتَرَّ مقولة الهزيمة تلك بعد الفرقان، والسجيل، والعصف المأكول؛ فإنهم إنْ تصبكم حسنة تَسُؤْهم، وَوَدُّوا لو تخونون كما خانوا، فتكونون سواءً، وأنَّى لهم التناوش من مكان بعيد؛ فإن ما ظهر من عرضٍ عسكريٍّ لكتائب القسام في الذكرى السابعة والعشرين لانطلاقتنا لا يمثل عُشْرَ ما مَنَّ الله به علينا من الإعداد والعتاد، لتحرير العباد من الصهاينة الأوغاد، ومَنْ معهم من الأوتاد.

والله خير الناصرين

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .