الاستمرار في الإعداد والجهاد هو سبيل الإعمار ورفع الحصار؛ بل ووراثة الأرض وما عليها من الأموال والديار

  • بتاريخ : 2014-12-30
  • مرات القراءة : 714
الاستمرار في الإعداد والجهاد هو سبيل الإعمار ورفع الحصار؛ بل ووراثة الأرض وما عليها من الأموال والديار

  

 

( الاستمرار في الإعداد والجهاد هو سبيل الإعمار ورفع الحصار؛ بل ووراثة الأرض وما عليها من الأموال والديار)

 

( وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا  ) 

الأحزاب (27)

من الملاحظ أن أطراف العدوان في العصف المأكول قد بَيَّتوا تبهيتَ ذلك الانتصار بالإبقاء على الحصار، والإبطاء في الإعمار؛ لعلهم ينتزعون بالسياسة مالم ينتزعوه بالقتل والدمار، وهم –لاشك- واهمون؛ فإن إدراكنا لهذه الجرائم الإنسانية يؤكد القناعة بضرورة بذل أقصى الجهد في الإعداد لمجابهةٍ أشرسَ رُعباً من كلِّ ما سبق، مستفيدين من دروس العدوان؛ فإن مالا نظفر به بالقوة ننتزعه بمزيد من القوة، وإن إبقاء المشردين في العراء يجعلهم أكثر الْتفافاً حول المقاومة، وأكثر تفرغاً لها؛ إذْ لو انهمك الناس في الاستثمار، وإعادة الإعمار؛ لانخرط كثير من الشباب في ذلك، ولذهبتِ الأموال إلى الترميم والتعمير؛ فإن أعداءنا يكيدون كيداً، ويكيد الله لهم كيداً، كما أنهم يمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين، ومَكْرُ أولئك هو يبور، ولا يحيق المكر السيئُ إلا بأهله، وقد جعل ربُّنا جل جلاله في كل قريةٍ أكابرَ مُجرميها ليمكروا فيها، وما يمكرون إلا بأنفسهم، وما يشعرون، فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهم رويداً، ومَهِّلْهم قليلاً.

أما آية المقال فتحكي ما آل إليه حال بني قريظة حين نقضوا عهدهم يوم الأحزاب، فَعَذَّبَهم الله في الدنيا، ولم يكتب عليهم الجلاء، كما كتبه على إخوتهم من قبل بني قينقاع، وبني النضير.

وخلاصة قصتهم أن الأحزاب عندما أَيِسَتْ من اقتحام المدينة من تلقاء الخندق؛ كان إغراء بني قريظة بالانضمام إلى الأحزاب يفتح جبهة جديدة، تجعل المؤمنين بين فَكَّيْ كماشة، خاصةً وأن مهمة أولئك الغادرين هي الفتك بالنساء والصبيان ابتداء، وهو ما استدعى توجيه مفرزةٍ من الجيش للمرابطة قبالة بني قريظة، وعند أفواه السكك؛ حماية للذراري والحرائر والمستضعفين، وكان أولئك المرابطون قرابة خمسمائة، أيْ ما يوازي سُدُسَ الجيش المدافع من وراء الخندق.

وكان من نبأ بني قريظة أن حُيَيَّ بن أخطب سيدَ بني النضير، وهو في اليهود كأبي جهل في العرب، أو كفرعون في القبط، قد تسلل إلى كعب بن أسد سيدِهم، وطلب إليه أن ينضمَّ إلى الأحزاب، فرفض أولاً بشدة، فإذا بابن أخطب النضري يقول له: "ويحك!!، إني جئتك ببحرٍ طامٍ، وبعزِّ الدهر، جئتك بقريش على سادتها وقادتها، وجئتك بكنانة، وبغطفان على سادتها وقادتها، قد قادوا الخيل، وامتطوا الإبل، والعدد عشرة آلاف، والخيل ألف فرس، وسلاح كثير، ومحمد لا يفلت من فورنا هذا، وقد تعاقدوا وتعاهدوا ألَّا يرجعوا حتى يستأصلوا محمداً ومن معه"، فأجابه: "ويحك!!، جئتني والله بِذُلِّ الدهر، وبسحابٍ يبرق ويرعد، ليس فيه شيء".

غير أن حييَّ بن أخطب ظلَّ يراوده حتى وافق على نقض عهده، والانخراط ببني قريظة في حرب استئصال الإسلام والمسلمين، ولكن الله مولى الذين آمنوا قد حسم المعركة؛ بأن أرسل على الأحزاب ريحاً وجنوداً لم تروها، وردَّ الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال الدفعي، أو المقاومةَ وصدَّ العدوان؛ ليكون قرار الزحف والطلب بعد ذلك بأيدينا؛ فقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم أننا الآن نغزوهم ولا يغزوننا.

وما كاد عليه الصلاة والسلام يعود إلى بيته، ويشرع في قضاء تَفَثِه، والاغتسال من وعثاء الحرب؛ حتى جاءه جبريل معاتباً: يا محمد! أَوَضَعْتُمُ السلاح؛ فإن الملائكة لم تضع أسلحتها بعد، وأخبره أن ربَّه يأمره أن يتوجه من فوره إلى بني قريظة، وكان ذلك بعد الظهر، فإذا به يبعث من ينادي في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار: من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلينَّ العصر إلا في بني قريظة، ولذا فإن بعضهم قد اجتهد فصلى في أثناء المسير، بينما أخذ آخرون بحرفية التكليف، فلم يُصَلُّوا إلا هناك بعد أن توارتِ الشمس بالحجاب.

وقد استمرَّ الحصار خمساً وعشرين ليلة، حتى نزلوا على حكمه، ولعل السرَّ في تلك الإطالة أن أبا لبابة رضي الله عنه كان قد أشار إلى عنقه؛ حين سأله اليهود عن ماهية حكم رسول الله؟، ثم كان من الذين إذا مَسَّهم طائفٌ من الشيطان تذكَّروا، فإذا هم مبصرون، فعرض أنه خان الله ورسوله بإفشاء ذلك السِّر، ثم اجتباه ربُّه، فتاب عليه وهدى، وقصته مشهورة.

وحين تدخل أناسٌ من الأوس؛ لِيُحْسِنَ في مواليهم، كما تشفَّع عبد الله بن أُبَيٍّ في بني قينقاع موالي الخزرج من قبل؛ عرض عليهم النبي أن يكون الحَكَمُ رجلاً من الأوس، وقد وقع الاختيار على سيدهم سعد بن معاذ، ولما طلبوا إليه أن يخفف عن مواليه في الجاهلية أجابهم: لقد آنَ لسعدٍ أَلَّا تأخذه في الله لومة لائم، وبعد الاستيثاق من قبول حكمه إذا به يحكم فيهم بما قاله الله عز وجل: " فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا "، وهي الآية السابقة على آية المقال، وقد بعث النبي عليه الصلاة والسلام ببعض السَّبْيِ إلى نجدٍ، وببعضٍ آخرَ إلى الشام، فبيع هناك، واشْتُرِيَ بأثمانِهِنَّ خيل وسلاح.

إن الذي يهمني في هذا المقال أن الاشتغال –ولو بالاغتسال- عن مواصلة الحرب؛ حتى يقضى على الخطر اليهودي، فقد كاد يتسبب في إبادة جماعية للمؤمنين، لاسيما في المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، كما أن الأحزاب لو دخلوا المدينة من تلقائهم فربما تحقق ما بَيَّته اليهود والعرب من وَأْدِ الدِّين والمؤمنين جملة واحدة ... أن ذلك كان خطأَ يستوجب الملامة، فالملائكة لم تضعْ أسلحتها بعد؛ حتى تَقَرَّ عيونُها من بني قريظة.

وقد كانت حرب العصف المأكول أشبه ما يكون بمعركة الخندق، فقد كانت المقاومة تحت الأرض في الأنفاق، وكذلك مرابض الصواريخ، كما أن النتن ياهو تفاخر بأنه استطاع تجنيد المزيد من العرب في حلفه، وهم أحفاد قريش، وكنانة، وهوازن، ومن معهم من القبائل الحليفة، لكنَّ السؤال المهم: ماذا أغنى عنه ذلك الحلف، وقد خرج من الحرب ملوماً محسوراً؟!، وبعد أن انفرط عقد حكومته يبدو أنه سيمسي مذموماً مدحوراً.

إن اتفاق التهدئة الذي انطوى على رفع الحصار، وإعادة الإعمار، لو جرى حسب الاتفاق؛ لانخرط أكثر الشباب والناس في الاستثمار والإعمار، ولما استطاعت المقاومة ترميم قوتها، وتطبيق دروس العصف المأكول، بمثل السرعة التي تتحقق؛ حين يظل الأكثرون مشردين مُعَذَّبين بالبرد والجوع؛ فإن ذلك يورثهم قناعةً أن حقوقنا –حتى تُنتزعَ من براثن العدو- في حاجةٍ إلى إيلامه هو وأطراف الحصار بأشدَّ مما أذاقهم الله من الخزي في العدوان الأخير، ويبدو أن الملائكة التي كان الصهاينة يرونها في صورة بشر يزيد طوله على ثلاثة أمتار، ولا تؤثر فيه النار، يبدو أنها لم تضعِ السلاح بعد؛ حتى نستعيد أرضنا، ونرث ديار الاحتلال، وأموالهم، ونعيد بها الإعمار، أو نستغني عن كثير منه بتلك الديار، وإن ذلك كائن إن شاء الله، حتى لو تراخى شهوراً أو سنين، وإن الاحتلال جَدُّ متوجسٍ من الانفجار الذي يجعل غزة تتنفس برشقات الصواريخ، أو حتى بعودة الحرب جَذَعَةً، وأشدَّ بأساً عليهم، وأشدَّ تنكيلاً بهم.

 وما ذلك على الله بعزيز، فإن الله موهن كيد الكافرين

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .