الهجرة انتصار على الحصار؛ فاعتبروا يا أُولي الأبصار

  • بتاريخ : 2014-10-26
  • مرات القراءة : 787
الهجرة انتصار على الحصار؛ فاعتبروا يا أُولي الأبصار

 

 

( الهجرة انتصار على الحصار؛ فاعتبروا يا أُولي الأبصار)

 

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ . وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) 

إبراهيم (13، 14)

جرت العادة أن يتناول الخطباء والأقلام معجزة الهجرة مع إطلالة كل عام هجري، لكنَّ كثيراً منهم يغرق في السرد التاريخي، وربما يتوقف عند بعض العبر والعظات الجزئية، وقلَّما يذهب المتحدثون إلى أنها انتصار سياسي كبير، ففي الوقت الذي كان فيه المؤمنون الأولون مستضعفين محاصرين في مكة؛ إذا بهم يطوون تلك الحقبة، ويقفزون من الضعف إلى القوة، ومن الذلة إلى العزة، ومن الدعوة إلى الدولة؛ فقد كانت الهجرة بدايةَ الوجود الدوليِّ لأمة الإسلام، خاصة بعد التوقيع على الصحيفة الدستورية، التي صهرتْ جميع أهل المدينة في أمةٍ واحدةٍ تحت قيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع القبول بسيادة الشريعة الإسلامية، وعلى مبدأ التعايش السلمي، والتكافل الاجتماعي، والدفاع المشترك.

إن في هذا لدرساً بليغاً، وهو استحالة تطويق دعوة الله، فضلاً عن خنقها أو وَأْدِها، وهذا بشارةٌ أن التآمر على الإسلام الوسطي، مهما بدا من نجاحهِ المُؤقَّت، فلن يُكتبَ له الفلاح، فقد بلغ الأمر بقريشٍ أن قَرَّروا قتل رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأفلتَ منهم؛ وخرج من بينهم، وأغشاهم الله، فهم لا يُبصرون.

بل إن من أعظم مظاهر الانتصار أن اللهَ ورسولَه، والجهادَ في سبيله، كان أحبَّ إلى الصحابة الأولين من كل معوقات الهجرة والجهاد، من الآباء، والأبناء، والإخوان، والأزواج، والعشيرة، والأموال التي اقترفوها، والتجارة التي يخشون كسادها، والمساكن التي يرضونها، فقد خرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، وينصرون الله ورسوله، ولذا فقد كانت الهجرة انفراجاً اقتصادياً بالشراكة مع الأنصار، بعد أن بلغ منهم الحصار في مكة درجةَ المخمصة.

ومن هنا فإننا مستبشرون أن الحصار السياسي والاقتصادي، وكذا الأمني والعسكري، قد أَزِفَ رحيله، إنما  هو الابتلاء بشيءٍ من الخوف، والجوع، ونقصٍ من الأموال، والأنفس والثمرات، وعمَّا قليلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادمين؛ فإن الله عز وجل الذي جعل للصحابة الأولين فرجاً ومَخرجاً، وهَيَّأَ لهم أنصاراً يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أُوتُوا، ويُؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة؛ اتقاءً لِشُحِّ أنفسهم، فقد أُحْضِرَتِ الأنفس الشُّحَّ، ومَنْ يُوقَ شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون، إنه جل جلاله سيجعل من بعد عسر يسراً.

إن آية المقال تخبرنا بأن كلَّ أمة قد هَمّتْ برسولها؛ ليخرجوه من قريتهم، فهذه (مَدْيَنُ) تهدِّد سيدنا شعيباً والذين آمنوا معه بالإخراج من قريتهم، أو ليعودُنَّ في ملتهم كما في سورة الأعراف (88)، وقد نَهَوْا لوطاً عليه السلام كذلك عن المضيِّ في دعوته، والاتصال بالعالمين، وأنك لئن لم تَنْتَهِ يا لوطُ لتكونَنَّ من المُخْرَجين، فلما لم يَنْته قالوا: أخرجوهم من قريتكم؛ إنهم أُناس يتطهرون، فما نقموا منهم إلا أنهم لا يأتون الرجال، ولا يقطعون السبيل، ولا يأتون في ناديهم المنكر، كما في مواضع القصة في الأعراف (82)، الشعراء (167)، العنكبوت (30).

هذا؛ وقد هاجر سيدنا إبراهيم من العراق إلى فلسطين بعد أن أنجاه الله من النار، وبعد أن حاجَّه النمرود في ربِّه، فبُهِتَ الذي كفر، وهاجر معه ابن أخيه لوطٌ عليه السلام أول مرة، وحينما جاءه قومه يُهرعون إليه، ومن قبلُ كانوا يعملون السيئات؛ إذا بضيفانه ملائكةٌ مُكْرَمون، قد أُرسلوا إلى قوم لوط، ليجعلوا عالِيها سافلَها، ويمطروا عليها حجارةً من سجيلٍ منضود، وقالوا له: فَأَسْرِ بأهلك بقطعٍ من الليل، واتبع أدبارهم، ولا يلتفت منكم أحد، وامضوا حيث تُؤمرون؛ فإن موعدهم الصبح، وقد أخذتهم الصيحة مشرقين، وكانت هذه هجرةً ثانيةً له.

إن سيدنا موسى عليه السلام كانت له هجرتان: الأُولى إلى مدين قبل النبوة، حين ائتمر به الملأ ليقتلوه، كما مكروا بنبينا عليه الصلاة والسلام، فأفلت منهم، والثانية من مصر إلى فلسطين في الليلة التي ضَرَبَ فيها بعصاه البحر، فانفلق، فكان كل فِرْقٍ كالطَّوْد العظيم، ولأنهم رفضوا أن يدخلوها فاتحين، فقد حرَّمها الله عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، كما يرفض عباس دخول غزة، وإعادة إعمارها؛ إلا أن تخرج حماس من المشهد بالكلية، ولسان حاله يقول: " فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ " المائدة (22)، ولسوف يخرج من الدنيا، وتذهب سلطته إلى الجحيم، قبل أن يتحقق ذلك الحلم المستحيل، فقد جاء الحق، وظهر أمر الله وهم كارهون، فَلْيموتوا بغيظهم.

إن المنافقين إخوان الكافرين، حتى في تهجير المؤمنين من ديارهم، فهم الذين قالوا: لئن رجعنا إلى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، وهو انقلاب على الشرعية؛ بدعوى أنهم الأعزُّ، فهم أكثر أموالاً وأولاداً، وهم أحسن أثاثاً ورِئْياً، أي منظراً، وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم، وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خُشُبٌ مُسَنَّدة، لكنهم هم العدو، فاحذروهم.

ولكنَّ السؤال المهم هنا: كم كان بين هجرة نبينا عليه الصلاة والسلام وفتح مكة عنوةً؟، ومن المعلوم أنها لم تَزِدْ عن ثماني سنين، مع أن الفتح المبين، والنصر العزيز، قد تجسَّد بصلح الحديبية بعد ست سنين، وهكذا الحال مع سيدنا موسى؛ فقد لبث سنين في أهل مدين، قبل أن يعود إلى مصر، وكان مُخَيَّراً بين أن يخدم صهره هناك ثمانيَ حِجَجٍ، وإنْ أتمَّ عشراً فمن عنده تفضلاً ونافلة.

إن السِّرَّ في سرعة التحرير والانتصار هو القرآن الذي أنشأ الله به ذلك الجيل خلقاً آخر؛ إذْ لم يعودوا يخشون أحداً إلا الله، ولا يخافون لومة لائم، وإن القرآن يهدي للتي هي أقوم، وهو السلاح الذي نجاهد به أعداءنا جهاداً كبيراً، وقد نزل عليه في طريق الهجرة: "إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ .." القصص (85)، فأرشده بذلك إلى أن طريق العودة هو القرآن.

إن آية المقال تخبرنا بأن الله عز وجل قد أوحى لرسله: لنهلكنَّ الظالمين، ولنسكننكم الأرض من بعدهم، فتكونون الوارثين، وإن ذلك كائن لمن خاف مقام ربه، وأشفق من قيامه بين يديه للحساب يوم يقوم الناس لرب العالمين، وقد جمعوا بين الخوف من مقام الله، والخوف من وعيده، فقد أنزل الله القرآن، وصَرَّفَ فيه من الوعيد؛ لعلهم يتقون، أو يُحْدِثُ لهم ذكراً.

وإننا لنرجو أن نكون ممن خاف مقام ربه، ونهى النفس عن الهوى، وممن يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، ويخافون من ربهم يوماً عبوساً قمطريراً؛ حتى يدفعهم ذلك إلى الجهاد في سبيله؛ حتى تَقْتُلُوا المحتلين حيث ثقفتموهم، وتخرجوهم من حيث أخرجوكم، وتكونوا كجند سيدنا سليمان الذي هدَّد بهم ملكة سبأ، وقال بشأنها: " فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ " النمل (37).

وما لنا أَلَّا نقاتل في سبيل الله، وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا؛ لنكون ممن هاجر وجاهد في سبيل الله، فاستحقَّ العودة إلى فلسطين في الدنيا، وإلى جنة الخلد، ومُلْكٍ لا يَبْلى في الآخرة، والعاقبة للمتقين.

 

 وجوب التعجيل بتطبيق دروس حجارة السجيل وجوب التعجيل بتطبيق دروس حجارة السجيل
مشاهدات : 979 ، بتاريخ : 2013-04-17

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .