أول الواجبات بعد الفراغ من الحج بالأداء السِّلْمُ الاجتماعي وقتال الأعداء

  • بتاريخ : 2014-10-20
  • مرات القراءة : 701
 أول الواجبات بعد الفراغ من الحج بالأداء السِّلْمُ الاجتماعي وقتال الأعداء

 

( أول الواجبات بعد الفراغ من الحج بالأداء السِّلْمُ الاجتماعي وقتال الأعداء)

 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) 

البقرة (208)

بانتهاء موسم الحج يكون الحجيج قد أتموا الركن الخامس والأخير من أركان الإسلام، ورجعوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم؛ إذا لم يكونوا ممن أراد بحجه الدنيا، وماله في الآخرة من خَلاق؛ بل كانوا ممن يطلب حسنة الدنيا، وحسنة الآخرة، مع الوقاية من عذاب النار، وقد أخذوا بأسباب الإفلات منها، أو الزحزحة عنها، فَشَرَوْا أنفسَهم ابتغاءَ مرضاة الله، والله رؤوف بالعباد.

ولمَّا كان ربنا قد أمر كُلَّاً منا أنْ إذا فرغتَ فانصبْ؛ فإن السؤال الذي يطرح نفسه: في أيِّ طاعة نَنْصَبُ بعد الفراغ من الحج، والعودة إلى الديار والأوطان؟.

إن القرآن الكريم لم يترك هذا السؤال للاجتهاد؛ فقد تختلف فيه الألباب اختلافاً كثيراً؛ إنما أجاب عن ذلك بمجمل التوجيهات والأوامر التي أعقبتْ أحكام الحج في مواضعه المتعددة، ومن المعلوم أن سورة البقرة كان لها نصيبٌ وافرٌ في تفصيل بعض مناسك الحج التي جاءت مجملة في قوله تعالى من آل عمران: " وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا " الآية (97).

وقد كان أول تكليف بعد تلك التفاصيل ما جاء في آية المقال؛ حيث أمر المؤمنين بالدخول في السِّلْم كله، وأن يحذروا أن يفتنهم الشيطان عن بعض ما أنزل الله إليهم، حتى لا نكون ممن يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض، كالحال عند أهل الكتاب واليهود الذين طال عليهم الأمد، فقستْ قلوبهم، فنقضوا ميثاقهم، أو نَسُوا حظَّاً ممَّا ذُكِّروا به، وكثير منهم فاسقون.

هذا، وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن السِّلم في الآية يراد به الإسلام وسائر الشريعة، فيكون المعنى أنكم إذا فرغتم من الأركان فَالْتَفِتُوا إلى الفرائض والواجبات حتى يكتمل البنيان، غير أن الإنسان يظلُّ حيران؛ بأيِّ تلك التكاليف يبدأ؟، وما الذي له حقُّ الأولوية منها؟

وهنا نجد الجواب في سياق سورة البقرة؛ فإنها بعد آية المقال قد مهدت للتكليف الذي يُعَدُّ ذروة سنام الإسلام؛ إنه الجهاد في سبيل الله، وقد ابتدأ ربُّنا تبارك وتعالى الحديث عنه بقوله: " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ .." الآية (216)

ثم ذكر حكم القتال في الأشهر الحرم، وأخبر أن أعداءنا لا يزالون يقاتلوننا حتى يردونا عن ديننا إِنِ استطاعوا؛ لنكون على يقين بأن الصراع بيننا وبينهم صِدَامٌ دينيٌّ، وليس سياسياً، كما يفترى الكذب الذين يزعمون أنه صراعٌ سياسي، مع أن الصهاينة إنما احتلُّوا أرضنا ببعض الأساطير الدينية، ولا يزالون يقاتلوننا حتى نُقِرَّ لهم بيهودية الدولة، وأنهم أبناء الله وأحباؤه؛ لعلنا نرضى بأن نكون عبيداً لهم وخدماً؛ ليقربونا إلى الله زُلْفى، والصحيح أنه قد وَدَّ كثيرٌ من أهل الكتاب لو  يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحقُّ، وهل يَنْقِمُونَ منا إلا أن آمنَّا بالله، وما أُنزل إلينا، وما أُنزل من قبل، وأن أكثرهم فاسقون؟!!.

إن سورة الحج تَنُصُّ على أن الفريضة الأولى بعد ركن الحج هي الجهاد في سبيل الله، فقد فرغتْ من بعض فرائض الحج ومناسكه، وختمت بما يتعلق بالهَدْيِ والأضاحي، وتحولت للإخبار عن دفاع الله عن الذين آمنوا، وأن ذلك قد تجلَّى في الإذن لنا بالدفاع عن أنفسنا، وكان محظوراً من قبل، فقد نزل بنا ظُلْمٌ كبير؛ حتى اضطررنا إلى الخروج من ديارنا؛ لا لذنبٍ اقترفناه، إلا إيماننا بالله، وقولنا: ربُّنا الله، وربُّنا ربُّ السموات والأرض، لن ندعوَ من دونه إلهاً، لقد قلنا إذاً شَطَطاً.

وقد كشف ربُّنا جلَّ وعلا عن حكمة ذلك الإذن بأنه لولا تكليفنا بدفع المعتدين لَتَسَلَّطَ المتجبرون والمتكبرون في الأرض بغير الحق على مقاليد الحكم، وقاموا بطمس معالم الدين، سواء تعلق بصوامع الرهبان، أو كنائس المسيحيين المعبَّر عنها بالبِيَع، أو كان عدواناً على صلوات اليهود، وهي أماكن عبادتهم، أو استهدفت المساجد التي يذكر فيها اسم الله كثيراً؛ ذلك أن أولئك المجرمين يريدون أن يُطفئوا نور الله بأفواههم وبأسيافهم، ولن يَرُدَّهم على أعقابهم إلا أن تقاتلوهم حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، أو أن يسيحوا في الأرض فراراً من سطوتنا، أو أن يدخلوا في الإسلام آمنين، وإن الله نَاصِرُنا عليهم لا محالة، فقد أقسم على ذلك في ختام الآية، فقال: "..وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ " الآية (40)

ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا، وأن الكافرين لا مولى لهم، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم، وإنْ ينصركم الله فلا غالب لكم، وهو من سنن الله التي قد خلتْ من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

إن مما يؤكد أن الجهاد في سبيل الله هو رأس المأمورات بعد الحج، هو أن هذا الركن من مقاصده أن يكون دورةً تدريبية على الجهاد بالأموال والأنفس في سبيل الله؛ فإن الحجاج يخرجون بأموالهم وأنفسهم، ويفارقون الأهل والأوطان، ويقطعون الفيافي والأودية، ويتعرضون للظمأ والنَّصَب والمخمصة، وهي عين ما يكابده المجاهدون؛ باستثناء الشوكة التي قد تُفْضِي إلى الشهادة، أو القَرْح، أو الزلزلة، ولذلك كان الحج والعمرة جهادَ النساء؛ فإنهن غير مطالباتٍ بالقتال، فإذا شاركن فيه كان كرامةً لهن، وإلَّا فلا جُناحَ عليهن.

وإذا كان الحج دورةً جهاديةً فأحرى أن يخرج لها الشباب، فهم الأقدر على احتمال لَأْوَائِها، وهم الأجدر أن يعودوا من الجهاد الأصغر عند البيت العتيق إلى الجهاد الأكبر في بيت المقدس، وأكناف بيت المقدس، لاسيما في هذه الأيام التي يُصَعِّدُ فيها الاحتلال من عدوانه على المسجد الأقصى؛ لتهويده أو تقويضه، وإقامة الهيكل المزعوم على أنقاضه، غير أن تقاليد مجتمعنا لا زالت تنظر إلى الحجِّ على أنه لِلْعَجَزةِ وكبارِ السن، وكثيرٌ منهم ممن رَخَّصَ الإسلام لهم في الإنابة عنهم في ذلك الركن، ما دام عاجزاً عن مناسكه وحدَه؛ إلا أن يحمله الأقربون، فَيَشْقى بالسفر، ويُشْقِي مَنْ معه بالسهر على خدمته.

ولا يفوتني أن أشير إلى أن آية المقال فيها تأويل آخر، وهو حمل السِّلم على السلم الاجتماعي، وأن المؤمنين كافة مأمورون أن يدخلوا فيه، فيعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا يتفرقوا، ولا يجعلوا بأسهم بينهم، فهم أذلةٌ على المؤمنين رُحماءُ بينهم، وإياهم والبغي على أنفسهم، فيفشلوا، وتذهب ريحهم، وتظهر أهمية هذا الفهم حين نعلم أن من مقاصد الحج تهذيبَ الأخلاق، والمساواة بين الناس، والتعاون على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان.

إنَّ أية إطلالة على واقع الشعوب العربية، ثم الإسلامية، ندرك معها إلى أيِّ مدىً استطاع أعداؤنا أن يفسدوا ذات بيننا، وأن يُغْرُوا العداوة والبغضاء بيننا، مع أن سورة آل عمران قد حَذَّرتنا من ذلك بعد آيات الحج مباشرة، فقالت: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ " الآية (100)، فقد نزلت في تحريش يهودي بين الأوس والخزرج، وخروجهم للاقتتال، لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تدارك الموقف، وأصلح بينهم.

ولا مراءَ في أن الافتراق والاختلاف المفضي إلى الاقتتال قد يفضي إلى الكفر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ".. لا تَرْجِعُوا بعدي كُفَّاراً، يضربُ بعضُكم رقابَ بعض.." والعياذ بالله تعالى، وهو خير حافظاً، وهو أرحم الراحمين.

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .