ذكر الله الكثير، وإطعام البائس الفقير، من مقاصد الحج والعيد الكبير

  • بتاريخ : 2014-10-2
  • مرات القراءة : 888
 ذكر الله الكثير، وإطعام البائس الفقير، من مقاصد الحج والعيد الكبير

 

( ذكر الله الكثير، وإطعام البائس الفقير، من مقاصد الحج والعيد الكبير)

 

(لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) 

الحج (28)

إنَّ الحجَّ –وهو الركن الخامس للإسلام- قد شُرع لتحصيل كثيرٍ من المنافع الدنيوية والأخروية، بحسب المنفعة الحاصلة للحجيج، وإلا فما من منفعة دنيوية إلا وفيها متعةٌ أخروية، وما من منفعة أخروية إلا وفيها مصلحة دنيوية.

غير أن عطف ذكر اسم الله تعالى على مطلق المنافع يدل على أن ذكر الله جلَّ وعلا من أعظم مقاصد الحج؛ حتى تظلَّ ألسنتنا رَطِبةً بذكر الله تعالى بعد أن دأبتْ على ذلك في أيامٍ معدودات، هي العشر الأُوَلُ من ذي الحجة، ثم في أيام معدودات، وهي أيام التشريق الثلاثة، ومَنْ تعجَّل في يومين فلا إثم عليه، أيِ انتهى حَجُّه، وغُفِر ذنبه، ومن المعلوم أن من حجَّ فلم يَرْفُثْ، ولم يَفسُقْ رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأن الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحديد.

إن مما يؤكد مقصد إقامة الحج لإحياء ذكر الله في الوجود عدداً من الآيات من سورة الحج نفسِها، ومن سورة البقرة قبلها، ومما ورد في الحج قوله تعالى:

" وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ . الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ .." الآيتان (34، 35)

وفيها: ".. كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ .." الآية (37)

أما سورة البقرة فممَّا ورد فيها قوله تعالى:

".. فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ . ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ .." الآيتان (198، 199)

وقوله سبحانه: " فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا .." الآية (200)

وفيها أيضاً: " وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ .." الآية (203)

ويلاحظ في آيات سورة الحج أنها تجعل الذكر على ما رزقكم الله من بهيمة الأنعام، فيدخل فيه ذكر الله عند ذبحها أو نَحْرِها، كما يشمل شكره تبارك وتعالى على نعمة بهيمة الأنعام، وقد ذكر طائفةً منها في قوله سبحانه من سورة النحل:

" وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ . وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ . وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ .." الآيات (5-7)

إن هذه النعم تزداد بركة حين نقف على بعض الفروق بين قُربان القرون الأولى وبين قُربانِنا من الهَدْي والأضحية، وغير ذلك من الذبائح المسنونة، أو الواجبة بالنذر، والكفارة، والفدية، فقد كانت أمارة قبول قربان السابقين أن تنزل نارٌ من السماء فتأكله، كما جاء على لسان اليهود في سورة آل عمران:

" الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ .." الآية (183)

بينما قد اكتفى منا ربُّنا جلَّ وعلا بذكر اسمه عليها، وتَرَكَ لنا الجثة ننتفع بلحمها، وإهابها، وغير ذلك؛ فإنه لن ينال اللهَ لحومُها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم؛ فإنه من يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب، كما أنه سبحانه قد جعل البُدْنَ لكم من شعائر الله.

ومن بركات الأضاحي أنه تبارك وتعالى جعل شاةً واحدةً، أو السُّبُعَ في بدنةٍ فداءً لأنفسنا من الهلاك في الدنيا، والعذاب في الآخرة، بينما لا يُجزئ  في دية النفس –لو قُتلت خطأً- إلا مائةٌ من الإبل بشروط معينة، منها أربعون في بطونها أولادها، ويقابلها من الشياه ألفان على أهل الغنم.

ويكفي في الفوارق أن أعياد غيرنا لهوٌ ولعب، وأن عيد النصارى كان مصحوباً بالتهديد والوعيد؛ أن من يكفر بعد نزول المائدة؛ فإن الله يعذبه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، بينما أعيادنا نجأر فيها بالتكبير، ونصلي لربنا وننحر، ونأكل منها، ونطعم البائس الفقير، أو القانع والمعتر؛ أي المعترض للسؤال بحاله لا بمقاله.

ولا بُدَّ هنا من السؤال عن الحكمة في جعل ذكر الله مقصداً من مقاصد الحج، كما هو مقصد لسائر العبادات، لاسيما الصلوات؛ فإن ذكر الله بها أكبر من نهيها عن الفحشاء والمنكر، وقد جاء في سورة طه: ".. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي " الآية (14).

إن ذكر الله تبارك وتعالى تَوْجَلُ منه القلوب، ثم تطمئن بذكر الله، فالمؤمنون إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم، والذين آمنوا تطمئن قلوبهم بذكر الله، أَلا بذكر الله تطمئن القلوب.

وإذا اطمأنت القلوب إلى وجود الله وعظمته وولايته عباده ثَبَتتِ الأقدام في الميدان، ولعله لهذا السبب قد أمر الله بذكره عند الْتقاء الجمعين أو الجيشين، كما في سورة الأنفال:

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " الآية (45)

هذا في الدنيا، وأما في الآخرة؛ فإن الذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعدَّ الله لهم مغفرةً وأجراً عظيماً، وقال في سورة الجمعة:

".. وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " الآية (10)

إن الحاجَّ حين يعيش أياماً وهو مداومٌ على ذكر الله الكثير يصبح الذكر دَيْدَناً له، فلا يكاد يتركه بعد أن ذاق حلاوته، ومن أمارة البِرِّ في الحج أن يعود الحاج وقد صار حاله بعده أحسن من حاله قبله، فهو مستمسك بأذكار الصباح والمساء، وبوظائف الأحوال من لحظة الاستيقاظ بِسَحَر؛ حتى يكون من المستغفرين بالأسحار، أو كان يقيم قرآن الفجر وصلاة الجماعة حين يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ويستمرُّ في الذكر إلى غسق الليل حين يأوي إلى مضجعه، وما بينهما من الأحوال المختلفة والأذكار المسنونة عندها ما لا يكاد يقدر على الالتزام به من العباد إلا أولو البأس الشديد، أو أولو الأيدي والأبصار.

وقبل ضيق مساحة هذا المقال أودُّ التأكيد على أوُلي الفضل منكم والسَّعة أن يأخذوا برأي الحنفية في وجوب الأضحية؛ حتى يتمكنوا من أن يطعموا البائس الفقير، فقد ترك النفيرُ في مجابهة العصف المأكول آلافَ الناس عاجزين عن التضحية هذا العام، بعد أن فقدوا بيوتهم ومصادر رزقهم، وَوَقَعُوا تحت طائلة الخصومات السياسية التي لا تريد لإعادة الإعمار عاجلاً غير آجل أن يكون أمارة الانتصار، فضلاً عما يطالهم من الجشع والاحتكار في أجور السكن، وطمع الفُجَّار من التجار –والعياذ بالله تعالى-.

 وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .