قبضة من الأسباب في انتصار العصف المأكول على الأحزاب 2-2

  • بتاريخ : 2014-09-18
  • مرات القراءة : 901
قبضة من الأسباب في انتصار العصف المأكول على الأحزاب 2-2

( قبضة من الأسباب في انتصار العصف المأكول على الأحزاب) (2-2)

 

( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ . وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) 

الصافات (171-173)

في المقال السابق رصدتُ طائفةً من الأسباب الإيمانية التي أفضت إلى النصر العزيز في معركة (العصف المأكول) الذي أحال (الجرف الصامد) –كما نعته الاحتلال- إلى جُرُفٍ هارٍ، فانهار بهم في عذاب الخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى، وهم لا ينصرون؛ فإن من أسَّس بُنيانَه على شفا جرفٍ هارٍ انهار به في نار جهنم –والعياذ بالله تعالى-.

وقبل أن أسترسل في سرد المزيد من الأسباب لذلك الانتصار الذي فتح الباب إلى بيت المقدس؛ أودُّ التوقف عند آيات الصافات التي هي محور المقال، وفيها يقسم ربُّنا جلَّ وعلا أنه قد سبق في لوحه المحفوظ، وأنه قد أوحى بذلك إلى عباده المرسلين، وطمأنهم بأنهم هم المنصورون في الدنيا والآخرة، وأن جنده المجاهدين في سبيله هم الغالبون، فهم حزب الله، وإن حزب الله هم الغالبون.

غير أن أعظم النصر هو انتصار الإرادة والثبات على الدين، فإنهم لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إِنِ استطاعوا، ولن يكونوا منتصرين إلا إذا تخليتم عن دينكم تحت وطأة المحنة والعدوان، سواءٌ اقتصرتم على قولكم: (فاذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ههنا قاعدون)، أو وصلتم في الردة إلى المسارعة في الولاء للأعداء؛ بذريعة الخشية من أن تصيبكم دائرة، ولما لم يستطع إعلام الصهاينة أن يُشَكِّكَ المنكوبين في قناعتهم أنفسهم وأموالهم في أن المقاومة والجهاد في سبيل الله هو التجارة التي تنجيكم من عذابٍ أليم، فقد خرجوا من تحت الأنقاض وهم يهتفون للمقاومة، ويعلنون استعدادهم للتضحية بمن تَبَقَّى من الأموال والبنين؛ فإن ذلك هو أعظم انتصار، فكيف إذا انضاف إليه رجوع المعتدين بغيظهم، لم ينالوا خيراً، وإقرارهم بهزيمتهم، وخزيهم في العالمين، ولا زالتْ لعنة العدوان تطاردهم في كثيرٍ من البلدان، وما ربُّك بغافلٍ عمَّا يُجْرِمون؟!!.

إن اليهود قد تمكنوا من قتل المزيد من النبيين، وإن أصحاب الأخدود قد أحرقوا المؤمنين عن آخرهم، ولم يرحموا امرأة ولا رضيعاً، فهل كانوا بذلك هم المنتصرين، أم أن النصر كان حليفَ الذين ثبتوا على الإيمان والفرقان، حتى دخلوا الحياة من خير أبوابها، وهي الشهادة في سبيل الله؟!، وقد انتصرت دعوتهم بقتلهم في سبيل الله بأسرع وأقوى ممَّا لو لم يُستشهدوا في سبيلها؛ فإن قتل الغلام الداعية في قصة أصحاب الأخدود جعل الناس جميعاً يؤمنون بالله رب الغلام، ويكفرون بمن يقول: (ما علمت لكم من إِلهٍ غيري)، وأما اليهود فقد ضُربت عليهم الذلة والمسكنة، وباؤوا بغضبٍ من الله، وتَأَذَّنَ ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة مَنْ يسومهم سوء العذاب، وهذا من الأسباب التي جعلتهم كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، وكانت من وراء هزيمتهم في العصف المأكول، وقد ذكرتُ منها ستة في الأسبوع الماضي، وأضيفُ إليها ستة أخرى

7.  إننا حين نقاتل عدوَّ الله وعدوَّنا، فلن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، لا علينا، ولن يتربَّصَ بنا الأحزاب إلا إحدى الحسنيين؛ فإما النصر، وإما الشهادة، ومجموع الأمة يفوز بكلتيهما، فالشهداء أحياءٌ غير أموات، ولذلك فإن الله تبارك وتعالى يُحيي بحياتهم أضعافاً مضاعفة من الناس، ومن لم يَقْضِ نَحْبَه عاش آمناً حُرَّاً كريماً، فقد وَعَدَ أهلَ الخندق ليستخلفنهم في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكننَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً.

8.  لقد طمأننا ربنا تباركت أسماؤه أن اليهود لن يضروكم إلا أذىً، وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار، ثم لا ينصرون، فقد ضُربت عليهم الذلة أينما ثُقفوا، ولن تختلف هذه العاقبة حتى لو تعاون معهم المنافقون أمنياً وعسكرياً، فإن سورة الحشر التي زفَّتْ نبأ إجلاء بني النضير قد أخبرت بقول المنافقين لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب: (وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ)، وكشفتْ عن فشل ذلك الاندماج فيهم بقوله سبحانه: (وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ)، والعلة في ذلك أنكم أشدُّ رهبة في صدورهم من الله. الآيات (11-13)

9.  وإن هذا السبب يستدرجنا إلى سبب آخر، وهو أن الصهاينة قوم جبناء؛ مُذْ قالوا لموسى عليه الصلاة والسلام: (اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)، فهم أحرص الناس على حياة، ولا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرىً محصنة، أو من وراء جُدُر، فقد رضوا بالحياة الدنيا، واطمأنُّوا بها، وما الحياة في الآخرة إلا متاع، بينما مقاتلونا أحرص الناس على الشهادة؛ فقد كان بعضهم يعتلي الدبابة، ويفتح البوابة من فوقها، ويلقي عليهم عبوات الشواظ، وهم يرتجفون، لكنهم إلى جهنم يذهبون

  1. إنه مهما أصابنا من قَرْحٍ فقد مسَّ القومَ قرحٌ مثلُه، وإنكم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون، ولا مناص من أن تُبْتَلَوْا بشيءٍ من الخوف والجوع، ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات؛ ليميز الله الخبيث من الطيب، والكاذب من الصادق، والمؤمن من المنافق.
  2. إن الطريق الوحيد إلى الجنة أن يبتليكم ربكم؛ حتى يعلم المجاهدين منكم والصابرين، ويبلو أخباركم، ولا تظنوا أن تدخلوا الجنة حتى يعلم الله الذين جاهدوا منكم، ويعلم الصابرين، فإنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون، وهم الذين اتبعوه في ساعة العسرة.
  3. لقد توعدنا ربُّنا عزَّ وجل أن يعاقبنا في الدنيا قبل الآخرة إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم، وأموالٌ اقترفتموها، وتجارةٌ تخشون كسادها، ومساكنُ ترضونها، أحبَّ إليكم من الله ورسوله، وجهاد في سبيله، وأنكم إِلَّا تنفروا يعذبْكم عذاباً أليما، ويستبدلْ قوماً غيركم، ولا تضروه شيئاً، وأنَّ من يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم، ولن يكونوا أمثال الجبناء البخلاء.

إن المعاني الإيمانية، والمفاهيم الفكرية التي ربط الله بها على قلوبنا، وثَبَّتَ بها أقدامنا، ونصرنا بها على القوم الكافرين، أكبر من أن تُطْوَى في اثني عشر بنداً، لكنَّ المقال لا يتسع للمزيد، وفيما ذُكِرَ كفاية، والله يتولى الهداية، وموعدنا قريباً مع دخول المسجد الأقصى، كما دخله الفاتحون أول مرة، ولن يبقى بعدها إلا أن تُتَبِّرُوا ما علاه بنو إسرائيل تتبيراً، وإن ذلك كائن لا محالة، وعسى أن يكون في بضع سنين؛ ليشفي صدورَ قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوب المحتلين والمنافقين، حين يموتون بغيظهم، أو يجيءَ الحقُّ، ويظهر أمر الله وهم كارهون.

 

 والله غالبٌ على أمره

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .