لا ضير بشيءٍ من المرونة مع الغير؛ فإن الصلح خير

  • بتاريخ : 2014-04-28
  • مرات القراءة : 907
لا ضير بشيءٍ من المرونة مع الغير؛ فإن الصلح خير

لا ضير بشيءٍ من المرونة مع الغير؛ فإن الصلح خير 

 

  } لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا {

النساء (114)

بدون إفراطٍ في التفاؤل فلعله من المأمول هذه المرة أن تصل الأطراف الفلسطينية إلى نوعٍ من المصالحة بعد تسع سنين من تعثرها، أو عدم الرغبة الحقيقية من بعض الشرائح في حصولها، مع التدثر بعدم التوجه العربي والغربي إليها، وبغضِّ النظر عن الدوافع والمصداقية هذه المرة، فقد وددتُ أن أعرض في هذا المقال مدى تشوف الدين الإسلامي إلى تكريس الصلح، أو التعايش السلمي بين الناس، ولو بالعفو عن شطر الحقوق؛ حتى لو رآه بعض المتدينين لوناً من إعطاء الدنية في الدين، وقد عقَّب القرآن على صلح الحديبية بقوله تعالى:

" عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " الممتحنة (7).

وقد كان؛ فما تكلم الدعاة مع أحدٍ يعقل بالإسلام إلا ودخل فيه، ولهذا كان جيش الفتح عشرة آلاف، في حين كان قبل عامين في الحديبية لا يناهز خمسَ عشرةَ مائةً، ثم فُتِحتْ مكة، ودخل معظم الطلقاء في دين الله، فصار قوام الجيش في حُنَينٍ اثني عشرَ ألفاً، ولم تلبثِ القبائل العربية الأخرى أن دخلوا في دين الله أفواجاً.

إن آية المقال تنفي الخير عن أي حوارٍ أو مفاوضاتٍ إلا في ثلاث حالات؛ أُولاها (الأمر بصدقةٍ)، سواءٌ كانت زكاةً مفروضة، أو هبةً وتطوعاً؛ فإنكم لن تنالوا البِرَّ حتى تنفقوا مما تحبون، وإن البِرَّ بعد الإيمان هو فيمن آتى المال على حُبِّه ذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، والسائلين، وفي الرقاب أو فكاك الأسرى، زيادةً على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإن ذلك هو الطريق لتطهير المجتمع وتزكيته، حين يزول من صدر الفقير الحسد والبغضاء للأغنياء، وحين يتخلص أولو الفضل منكم والسعة من عبودية المال، ومن شبهة الحرام في المال، فيقع الأمن والسكينة، وتنتفي السرقة والاختلاس، وأكل أموال الناس بالباطل أمام العِوَز والإعسار.

وأما (المعروف) فهو التمسك بالشريعة ابتداءً؛ حيثُ إن النجوى بالنصيحة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، خيرٌ من الجهر بها، فإنها في العلن نوعٌ من التوبيخ، لا يروق لأكثر الناس استماعه، وربما يستميتون في تبرئة أنفسهم، أو يحملهم الإعلان بالنصح على اللجاج في عصيانهم يعمهون.

وأما الثالثة فهي (الإصلاح بين الناس)، حتى لا تتنازعوا، فتفشلوا وتذهب ريحكم، فإن الله يؤيد بنصره من تَأَلَّفَتْ قلوبهم، فقاتلوا في سبيله صفاً كأنهم بُنْيانٌ مرصوص، حتى إذا أوشكت الغنائم أن تفسد ذات بينهم؛ نزعها من أيديهم، وقال يوم بدر:

".. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " الأنفال (1)

وقد جاء الترغيب في الإصلاح وصفاء النفوس في سنن أبي داوود والترمذي وغيرهما من رواية أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَلا أخبركُم بأفضل من درجةِ الصيامِ والصلاةِ والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاحُ ذاتِ البين" وزاد في رواية: "فإن فسادَ ذاتِ البينِ هي الحالقة، لا أقولُ تحلقُ الشَّعْر، ولكنْ تحلقُ الدين"، وقد وصفه الترمذي بأنه حسن صحيح.

ولأهمية الإصلاح بين الناس فقد جاءت الرخصة بجواز الكذب من أجله؛ فقد روتْ أمُّ كلثوم رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليسَ الكذابُ الذي يُصلحُ بين الناس، فَيُنْمِي خيراً، أو يقول خيراً"، وقالت: "لم أسمعْهُ يُرَخِّصُ في شيءٍ مما يقوله الناسُ إلا في ثلاثٍ: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديثِ الرجلِ امرأتَه، وحديث المرأةِ زوجَها".

وقد ختم آية المقال بالوعد بالثواب الجزيل، والأجر العظيم، لمن أخلص نِيَّتهُ للهِ ابتغاء مرضاته، فراح يأمر بصدقةٍ، أو معروفٍ، أو إصلاحٍ بين الناس.

لقد بلغ من رغبة الإسلام في الصلح أن مَنْ حلف يميناً على ترك الإصلاح بين الناس، حين يضيق ذرعاً من خصامهم؛ أن المستحب في حَقِّهِ التكفيرُ عن يمينه، والمضيُّ في المصالحة، فقد جاء في سورة البقرة: " وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " الآية (224).

وقد ندب إلى الصلح بين الزوجين، سواء كان النشوز من المرأة، أو من البَعْل، فالأول بإرسال حكمين؛ واحدٍ من أهله، والآخر من أهلها، فإنهما إن يُريدا إصلاحاً يُوَفِّقِ الله بينهما، كما في سورة النساء (35).

وأما الثاني فيحصل بأن تعفو المرأة عن بعض حقوقها في المَبِيتِ، أو النفقة، أو غير ذلك، في مقابل الوفاء لها بما بقي منها، والصلح خيرٌ، وأُحْضِرَتِ الأنفسُ الشُّحَّ، وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفوراً رحيماً، كما في سورة النساء أيضاً، الآيات (128-130).

ولعل أبرز صور الإصلاح بين الناس داخل البلد الواحد هو الإصلاح بين الفئة الباغية والفئة العادلة من منطلق الأخوة في الدين، حتى لو سالت الدماء بينهما سابقاً؛ فإن الصلح بالقسط واجب، ولو بعد قتال التي تبغي حتى تفيءَ إلى أمر الله، كما في سورة الحجرات:

" وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ " الآيتان (9، 10)

وإذا كان الصلح بين المسلمين والكفار جائزاً، كما في عقود الأمان من الحياد أو التعايش السلمي، أو التهدئة والهدنة، أو الذمة والجزية، أو مطلق الأمان؛ فما بالكم بين أبناء الدين الواحد، أو البلد الواحد، أو الهم الواحد من الآلام والآمال، مهما كانت المواقف والسياسات في مراحل سابقة؟!!، ولا تكونوا كالذين أُوتوا الكتاب من قبل؛ لمَّا كُتب عليهم القتال تَوَلَّوْا إلا قليلاً منهم، ورفضوا قيادة طالوت الثابتة بمعجزة التابوت؛ لأنه لم يكن من السِّبْطِ الممثل الشرعي والوحيد لهم عبر عشرات السنين، ولم يُؤْتَ سَعَةً من المال، غير أن الله قد أجرى على يديه النصر والتحرير، ولم يَضُرَّ المتساقطون دين الله شيئاً، فقد جاء الحق، وزهق الباطل؛ إنَّ الباطل كان زهوقاً.

 

ولله الأمر جميعاً

 

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .