كسر أقفال المعابر رهين بأول حماقة للعدو المكابر

  • بتاريخ : 2014-03-8
  • مرات القراءة : 809
كسر أقفال المعابر رهين بأول حماقة للعدو المكابر

كسر أقفال المعابر رهين بأول حماقة للعدو المكابر

 

{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ }

البقرة (155)

 ازدادت وتيرة الشكوى من ضيق الحال بعد إحكام الحصار على القطاع، وإذا كان الموظفون قد ضاقوا ذرعاً بصرف جزءٍ من الراتب؛ إذا تأخر أياماً، فماذا يقول العمال والخريجون، وبعض شرائح المجتمع الذين لا ينتظرون دخلاً في يومٍ قريبٍ مهما تراخى؟!.

ولعله من المناسب أن أذكر حديثاً  في صحيح البخاري وغيره أن غنائمَ وصلتْ ذات ليلة إلى المدينة المنورة، فامتلأ المسجد عن آخره في صلاة الفجر، بعد أن سَرَى الخبر إلى البادية وضواحي المدينة، فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الغداة هَمَّ بدخول بيته، فاعترضوه، فقال: "أما إنه لم يَخْفَ عليَّ مقامكم، فَأَبْشِروا وأَمِّلوا ما يَسُرُّكم، فواللهِ ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكنْ أخشى أن تُبسطَ لكم الدنيا،  فتتنافسوها كما تنافسها مَنْ كان قبلكم، فتهلككم كما أهلكتهم".

إن هذا الحديث لا يرى الفقر خطراً، لا على ديننا، ولا على دنيانا، إنما الخطر في الغنى الفاحش الذي يجعل التنافس بين الناس في حيازتها، والاستكثار منها، فإن الامتحان بالطَّوْل والسَّعَة عسير، ويرسب فيه الكثير، بينما الابتلاء بالفقر والمسكنة يتجلد له الكثير، ولا يُخفق فيه إلا النزر اليسير، وبناءً عليه فإن من قُدِرَ عليه رزقه يكون هذا من رحمة الله به غالباً؛ ليكثرَ من الضراعة إليه، ويأخذ بالأسباب الشرعية للأرزاق إلى جانب المشي في مناكبها، والانتشار في الأرض، أو الضرب فيها، والابتغاء من فضل الله.

ومن تلك الأسباب عموم التقوى؛ فإنَّ مَنْ يَتَّقِ الله يجعلْ له مخرجاً، ويرزقْه من حيث لا يحتسب، وإن الذي يأمر أهله بالصلاة، ويصطبر عليها، يرزقه الله، والعاقبة للتقوى، ومن أنفق زكاته فالله يُخْلِفُها، وهو خير الرازقين، ومن يقرضِ الله قرضاً حسناً يضاعفْه له، وله أجرٌ كريم، والصوم يُدَرِّبُ المسلم على التأقلم مع الظروف الطارئة التي يتأخر فيها الفطور إلى الغروب، ويكتفي فيه بوجبتين، ولا يَغُرَّنَّك أن كثيراً من الناس يجمع الغداء إلى العشاء جَمْعَ تأخير، ويكاد الوقت بين المغرب والعشاء ينقضي في الاحتيال على المعدة بألوان الأطعمة والأشربة، والفواكه والحلوى، فهذا من الغفلة عن بعض مقاصد الصوم في الزهد والاكتفاء من الدنيا باليسير.

وأما المتابعة بين الحج والعمرة؛ فإنها تنفي الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد، مع نصيحتي لمن اعتمر مرة أو أكثر أن يكتفي بذلك، ويتطوع برصيده فيها لذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، والسائلين، وفي فكاك الأسرى، كما أنصح المُسرفين في المباحات، أو الشبهات، أن يزهدوا في الدنيا، وخاصةً في الولائم والحفلات، لتكون فُضُولُ أموالهم في موازين أعمالهم؛ بوضعها في وجوه البِّرِّ المتعددة، لاسيما في الأجواف، والحاجات الماسة للمُعوزين والمُعسرين.

إنه مَنْ سَرَّه أن يُبسطَ له في رزقه، وأن يُنْسَأَ له في أثره، ويبارك في عمره؛ فَلْيصلْ رَحِمَه، وإنكم إنْ تستغفروا ربكم يرسل السماء عليكم مِدراراً، ويمددكم بأموالٍ وبنين، ويجعل لكم جناتٍ، ويجعل لكم أنهاراً، وفي المقابل فقد ظهر الفساد في البَّرِّ والبحر بما كسبت أيدي الناس؛ ليذيقهم بعض الذي  عملوا؛ لعلهم يرجعون، ولو يُؤاخذُ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة، وإذا فسق مترفوها حَقَّ عليها القول، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون، وربما خسف بهم وبدارهم الأرض، أو بَدَّلهم بِجَنَّتَيْهِم جنتينِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ، وأَثْلٍ، وشيءٍ من سِدرٍ قليل.

فإذا عُدنا إلى آية المقال وجدناها تبدأ بالقسم المؤكِّد لمضمونها الذي آزرته نون التوكيد الثقيلة؛ أنه لا مَفَرَّ من ابتلائنا بشيءٍ قليلٍ من الخوف من العدو، خاصة إذا جاؤوكم من فوقكم، ومن  أسفلَ منكم، أو حين يصرفكم ربكم عنهم ليبتليكم، فتضيق عليكم الأرض بما رحبت، وتقولون: متى نصرُ الله؟!، وتضيف الآية إليه الجوع، والحاجة من أثر الحصار أو الجفاف، أو غير ذلك من الأسباب، كما ينطوي الابتلاء على نقصٍ من الأموال، والأنفس والثمرات، وبما أن هذه الآية قد نزلتْ بعد غزوة بدرٍ فهي تشير إلى إفلات عير أبي سفيان، ومجيء نفير أبي جهل، فحصل الخوف حين وجدوا أنفسهم أمام أول مجابهة من نوعها، لم يتوقعوها، ولم يأخذوا الأهبة لها، فهم ثلاثمائة وثلاثةَ عشرَ من المشاة، وليس معهم إلا سلاح الدفاع الشخصي، وقد زحف إليهم نحو ألفٍ، ثلثهم من الفرسان، والبقية يمتطون البُعران، وقليل ما هم المشاة فيهم، ولذلك كان فريق من المؤمنين كارهين، وقد جادلوا في الصِّدام مع تلك القوة من بعد ما تبين لهم أنه لا مناصَ من التصدي لها، كأنما يُساقون إلى الموت وهم ينظرون، فاللهُ أكبرُ ما أقسى هذا الوصف على نفوس أولئك النفر من السابقين الأولين، فقد صار من بعدُ سمةً للمنافقين، أولئك الذين إذا أُنزلت سورة محكمة، وذُكر فيها القتال، أو جاء الخوف بالفعل؛ رأيتَ الذين في قلوبهم مرضٌ ينظرون إليك نَظَرَ المغشيِّ عليه من الموت!!.

إن ختم الآية بقوله: " وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ " يكشف عن حكمة هذا الابتلاء؛ إنه جلَّ وعلا يختبر صبرنا على ما ورد في الآية من المصائب، بعد أن اختبر شكرنا في الآيات السابقة عليها، إذْ نصَّ على نعمة الرسول، والوحي، والتزكية، وتعليم الكتاب، وغير ذلك من العلوم التي لم تكونوا تعلمونها، وقال: " فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ " الآية (152).

إن أمارة الصبر المُفضي إلى تفويض الأمر لله، ثم الرضا عن قضاء الله، بل والفرح بِقَدَره، هو الإكثار من قولنا: " إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ " الآية (156)؛ فإن أمر المؤمن كله له خير، وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، فضلاً عن أن الفتن دوراتٌ تدريبية قاسية لما وراءها من الاصطفاء والتمكين.

وفي تقديري أن هذه الأزمة ستزول عند أول حماقةٍ كبرى يرتكبها الصهاينة أو المتصهينون؛ فإن المقاومة لن تقبل بالعودة إلى التهدئة إلا برفع الحصار بالكلية، وفتح المعابر جميعاً، وفي مقدمتها معبر رفح، رغم أنفِ مُغَلِّقيه، خاصةً إذا أمكن رَدْعُ الطيران، كما رُدِعَ الأباتشي منذ حجارة السجيل، وكذا سلاح البَرِّ والبحر؛ إذْ لم يجرؤ الصهاينة أن يَشُنُّوا حرباً برية، كما فعلوا في معركة الفرقان، ومما يجعلني أجزم برفع الحصار مع أول مجابهة هو أن الإيمان بالله، والجهاد في سبيله، هو التجارة التي تنجيكم من عذابٍ أليم، وأن رزقنا تحت ظلال رماحنا، وقد وعدكم الله مغانمَ كثيرةً تأخذونها، وأعجلُها فتح المعابر، ولكنها ستطال كنوز كسرى الشرق، وقيصر الغرب، مروراً بالبترودولار المرهون للصهاينة والصليبيين وأكابر المجرمين.

والله من ورائهم محيط

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .