الإعداد والجهاد خير زاد لتحصيل الإمداد، ووراثة الأوغاد

  • بتاريخ : 2013-10-31
  • مرات القراءة : 1018
الإعداد والجهاد خير زاد لتحصيل الإمداد، ووراثة الأوغاد

الإعداد والجهاد خير زاد لتحصيل الإمداد، ووراثة الأوغاد

 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  }

 التوبة (28)

ليس سِرَّاً أن تشديد الحصار، وتهديم الأنفاق، قد انعكس سلباً على اقتصاد قطاع غزة، وعلى قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المالية بدرجةٍ مقبولة، كما كانت في شهورٍ خَلَتْ، قبل الانقلاب في مصر، واعتبار غزة – زُوراً وبهتاناً- خطراً على أمن مصر، وإلصاق تهمة التورط في الساحة المصرية بحماس؛ حتى أمسى التواصل مع غزة ودَعْمَها كافياً في تقديم أصحابها للقضاء العسكري؛ بذريعة التخابر مع حماس، أو دعم الإرهاب – على حَدِّ زعمهم-.

ونحن على يقين بتحقيق يمين الله؛ إذْ أقسم ليبلونكم بشيءٍ من الخوف، والجوع، ونقصٍ من الأموال، والأنفس، والثمرات؛ ليفتنكم أتصبرون، وعندئذٍ فإنما يُوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، كما أنه يُورث المستضعفين الصابرين مشارقَ الأرض ومغاربَها التي بارك فيها، وهي فلسطين، ويجعل أهلها أئمة يهدون بأمره لمَّا صبروا، وكانوا بآياته يوقنون.

ولا شَكَّ أن الدنيا كلَّها ابتلاء، فالله عز وجل يبلوكم بالشرِّ والخير فتنةً، وإليه تُرجعون؛ ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، وأن الاختبار الأيسر، والامتحان الأخفَّ، هو الابتلاء بالشدة والحاجة؛ فإن أكثر الناس إذا أخذهم بالبأساء والضراء يتضرعون، بينما إذا أَمَرَ المترفين بالطاعة فَسَقُوا فيها، فَحَقَّ عليها القول، فدَّمرها تدميراً، وقد قال عليه السلام، كما في البخاري:

" .. فوالله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكنْ أخشى أنْ تُبْسَطَ لكم الدنيا، فتتنافسوها كما تنافسها مَنْ كان قبلكم، فَتُهلِكَكُمْ كما أهلكتهم".

إن آية المقال تضمنتْ منع المشركين من قُربان الحرم المكي، سواء كان للحج والعمرة، أو لمطلق التجارة؛ بوصفهم نَجَساً معنوياً؛ فإن الأوثان رجس من عمل الشيطان، كما أنهم لا يستنزهون من النجاسات الحسية، وأكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وهو رجس، فضلاً عن الخمر، وغيرها من الخبائث.

وقد كان المشركون يَجْبُونَ ثمراتِ كلِّ شيءٍ للحرم؛ فقد جعل الله الكعبةَ البيت الحرام قياماً للناس في معاشهم، كما جعلها مثابة للناس في دينهم، فهي قبلة الصلاة والحج، فلما حيل بينهم وبين الحرم أشفق المؤمنون من أن تأخذهم العَيْلَةُ وشدة المؤونة؛ فإن أكثر ما يصل إلى المواسم مما يجلبه المشركون، لذلك فقد أذهب عنهم الرَّوْعَ حين وعدهم أن يغنيهم من فضله إن شاء، وقد دَلَّ حرف التسويف (فسوف يغنيكم)، وتعليق الوعد بالمشيئة، أن ذلك قد يتراخى، ولا يأتيهم من فَوْرِهم هذا؛ ليتم الابتلاء بشيءٍ من الجوع، ونقصٍ من الأموال، والثمرات، فهو العليم بالميقات المناسب للسعة، وفتح بركات السماء والأرض، وهو الحكيم في مشيئته، وتحقيق وعده.

ومن عجبٍ أنهم صاروا بعد منع المشركين أغنى منهم قبل ذلك؛ فإن الناس قد دخلوا في دين الله أفواجاً، وإن كثيراً من المشركين قد أسلم؛ ليظل قادراً على أن يَؤُمَّ أسواق الحرم؛ بل إن مكة بعد زوال الشرك عنها، وصيرورتها داراً للإسلام والتقوى، قد نَعُمَتْ بالخير الكثير، والمطر الغزير، وأمدَّهم الله بأموالٍ وبنين، ومن يتقِ الله يجعلْ له مخرجاً، ويرزقه من حيثُ لا يحتسب، كما أن أمر الأهل بالصلاة، والاصطبارَ عليها، قد جعله الله سبباً للأرزاق، كما في أواخر سورة طه، الآية (132).

وقد كان دخول الناس في الإسلام سبباً في أَمْنِ الطريق؛ حتى تخرج الظعينة من ديارها البعيدة، وتطوف بالبيت، ولا يعترضها أحد، بل صار الراكب يسير من صنعاءَ إلى مكة، ما يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، وقد شَجَّعَ السيرُ فيها لياليَ وأياماً آمنين على جلب المزيد من الأقوات والتجارات، ولن يكون الالتزام بالأحكام إلا سبباً في زيادة المتاع الحسن، والحياة الطيبة، وصلاح البال، وغير ذلك من السعادة والسكينة؛ لتأكلوا من رزق ربكم، وتشكروا له، فالبلدةُ طيبةٌ، والربُّ غفور.

وبالنظر في سياق المقطع الذي وردتْ فيه هذه الآية نجدها آتيةً بعد ذكر غزوة حنين التي وَسِعَتْ غنائمُها المهاجرين، والمؤلفة قلوبهم من الطُّلقاء، وغيرهم؛ ليؤكد أن الرزق تحت ظلال السيوف.

ومن هنا فقد أَمَرَ بعدها مباشرةً بقتال أهل الكتاب؛ حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، وكان أول تطبيق لهذا التكليف هو الزحف في ساعة العسرة على تبوك؛ لِصَدِّ الروم ومنتصرة العرب، أولئك الذين هَمُّوا بغزو المدينة، فلما أيقنوا بمسيرنا إليهم قذف الله الرعب في قلوبهم مسيرة شهر، وَوَلَّوْا مدبرين، واضطر الغساسنة والمناذرة أن يدفعوا الجزية، ويدخلوا في عقد الذمة، فانقلب الصحابة من تبوكٍ بنعمةٍ من الله، وفضلٍ، لم يَمْسَسْهم سوء، والله ذو فضلٍ عظيم.

إننا لعلى يقينٍ أن الضائقة التي تَمُرُّ بنا سحابةُ صيفٍ عن قليلٍ تَقَشَّعُ، فنحن في نهاية عنق الزجاجة، بينما كثيرون من حولنا هم في قعرها، فهل يمكن أن نصل إلى حَدِّ اصطياد القطط والكلاب، أو ذبح الحمير؛ لإطفاء لهيب الجوع، كما يحصل في بعض القرى والمخيمات في سوريا، ومن قبلها في لبنان، وغيرها من البلدان؟!.

وإذا قِسْنا واقعنا بالانهيار الاقتصادي الذي جَرَّه الانقلاب على تسعين مليوناً في مصرَ أقربِ البلاد إلينا، وإذا نظرنا في واقع السلطة، والضائقة في الضفة الغربية فنحن لا زلنا في سعةٍ وبُحبوحة!!

إن أمريكا تشكو من الهبوط الاقتصادي، والعجز المُبَشِّر بانحسار النفوذ والعربدة، وتراجع دعم الاحتلال الصهيوني؛ فإنهم قد فتح الله عليهم أبواب كل شيءٍ، وفرحوا بما أوتوا، وقد آنَ أن يأخذهم بغتةً، فإذا هم مُبْلِسون حائرون كيف يتدبرون أمرهم؟!، وعندئذ يقطع الله دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين.

إن المطلوب الآن بعد التسلح بالصبر الجميل؛ أن نتكافل فيما بيننا، ونقتسم الأرزاق، كما فعل الأشعريون بالمدينة، وأن يعلم الأغنياء أن في أموالهم حقوقاً سوى الزكاة، فوالله لا يؤمنون إذا باتوا متخمين والناس جوعى، كما يجب الزهد والتقشف، وبالأخص في المحرمات والمكروهات، وكثيرٍ من المباحات، ثم إنه لا يجوز الاستسلام للواقع؛ فإن الأخذ بالأسباب من أهم أبواب الأرزاق، وفي أُمتنا خيرٌ كثير، وفي الحركة بركة، وما دُمْنا مستمسكين بالذي أُوحي إلينا، عاضِّين على الجهاد بالنواجذ؛ فإننا على موعد مع مغانمَ كثيرةٍ تأخذونها، سواء كانت كغنائم حُنينٍ، أو كجزية تبوك، أو بانفتاح الأبواب أمام الوفود، والتجارة الخارجية.

ولعل من أعظم المبشرات أن الإنقلاب يتنفس صناعياً اليوم، أو في حالة موتٍ إكلينيكي، كما يُعَبِّرُ بعض الساسة الصهاينة، بعد أن ثبت عملياً أن ذئابه أعجز من أن يُطفئوا جذوة ثورة الحرية، وانتفاضة الجوع في مصر التي قِيل فيها يوماً: ".. اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ .." البقرة (61).

كما أن إصرار المقاومة على الإعداد لما استطاعوا من قوة، سواء بالأنفاق، أو بالطائرات الشراعية، أو بغيرها من الأسلحة التي تجعل الصهاينة في رُعْبٍ وَوَجَلٍ، حتى لو ظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله، إن ذلك هو أقرب السبل إلى اجتثاث أسباب الحصار، وأن يورثكم الله أرضهم، وديارهم، وأموالهم، وقد يَفيءُ بذلك عليكم، دون إيجاف خيلٍ أو ركابٍ، وما ذلك على الله بعزيز، فابتغوا عند الله الرزق، واعبدوه، واشكروا له، فإن الله هو الرَّزَّاق ذو القوة المتين، وقد تَأَذَّنَ لئن شكرتم لأزيدنكم.

والحمد لله على كل حال.

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .