ذكر الله الكثير، خاصة عند النفير، من ثمار الحج المبرور

  • بتاريخ : 2013-10-23
  • مرات القراءة : 706
ذكر الله الكثير، خاصة عند النفير، من ثمار الحج المبرور

ذكر الله الكثير، خاصة عند النفير، من ثمار الحج المبرور 

{ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ }

 البقرة (200-202)

إن من مقاصد ركن الحج إحياءَ ذكر الله، فقد شُرع ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيامٍ معلومات، كما أمرهم أن يذكروا اسم الله في أيام معدودات، ومَنْ تعجَّل في يومين، أو تأخَّر إلى الثالث، فلا إثم عليه، فقد غُفِرَتْ ذنوبه، ورجع منها كيوم ولدته أمه، وقد أوجب بعد الإفاضة من عرفات أن تذكروا الله عند المشعر الحرام، وأن تذكروه كما هداكم، وإن كنتم من قبله لمن الضَّالين، وجاء في هذه الآية التي في صدر المقال، فأمر بعد قضاء المناسك بذكر الله كثيراً، يفوق ذكر المشركين في الجاهلية آباءهم؛ فإن قوله (أو أشدَّ ذكراً) معناه: بل أشدَّ من ذكر الآباء.

وقد كانوا في الفترة التي سبقتْ منعهم من قربان المسجد الحرام؛ بوصفهم نَجَساً يتنافى مع طهارة البيت للطائفين والقائمين والعاكفين والرُّكَّع السجود، كانوا إذا فرغوا من الرَّجْم وقفوا عند الجمرة، أو تراجعوا قليلاً عند مسجد الخيف، وتبادلوا الأشعار؛ افتخاراً بالآباء والأنساب، مع أنه ليس الفتى من قال: كان أبي، إنما الفتى من قال: هأنذا، أي أن التفاضل بالأعمال النافعة والتقوى، وليس بالصور والأجساد، أو بالآباء والأجداد، فكيف إذا كانوا من فَحْمِ جهنم، ومن هنا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيباً في ثاني أيام العيد الأولِ من أيام التشريق، وكان مما قال:

"يا أيها الناسُ: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، أَلا لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأحمر على أسودَ، ولا لأسودَ على أحمرَ؛ إلا بالتقوى ..".

ولعل السِّرَّ في التكليف بذكر الله كثيراً؛ حتى نعيش مع الله تبارك وتعالى، فلا يغيب عن بالنا؛ ليكون ذلك رابطاً على قلوبنا، مُثَبِّتاً أقدامنا، فقد أمركم إذا لقيتم فئة أن تثبتوا، وتذكروا الله كثيراً لعلكم تُفلحون، أيْ تنتصرون عليهم، كما أمركم إذا قُضِيَتْ صلاة الجمعة أن تنتشروا في الأرض على جهة الإباحة، وأن تذكروا الله كثيراً وجوباً؛ لعلكم تفلحون.

وقد أمر في سورة الأحزاب أن تذكروا الله كثيراً، وأن تسبحوه بُكرةً وأصيلاً؛ ليكون لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيراً؛ فإن الذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعدَّ الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً. انظر الآيات (21)، (35)، (41، 42)

وقد أمر الله جلَّ وعلا المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال لسيدنا زكريا: ".. وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ " آل عمران (41)

وحين سأل سيدنا موسى ربَّه أن يجعل له وزيراً من أهله هارون أخاه؛ لِيَشُدَّ به أَزْرَه، ويُشرِكَه في أمره؛ علَّل ذلك بقوله:

" كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا . وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا . إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا " طه (33 – 35)

وقد استثنى من الشعراء الذين هم في كل وادٍ يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون؛ إلَّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذكروا الله كثيراً، وانتصروا من بعد ما ظُلِموا ..، كما في سورة الشعراء الآية (227).

ثم قَسَّم سبحانه الحجيج في آية المقال إلى فريقين، فمنهم من يقول: ربَّنا آتنا في الدنيا، وما له في الآخرة من خلاقٍ أو نصيب، ويلاحظ أنهم لم يطلبوا حسنة الدنيا، إنما طلبوا الدنيا فقط، ومَنْ كان يريد الحياة الدنيا وزينتها لا يهمه أن تكون حسنة أو سيئة، إذْ لا أَرَبَ له في الآخرة، ومن هنا فلا حظَّ له فيها، فإن من كان يريد حَرْثَ الدنيا يؤته الله منها، وما له في الآخرة من نصيب، بل يُوَفِّي لهم أعمالهم فيها، وهم فيها لا يُبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار، وحبط ما صنعوا فيها، وباطلٌ ما كانوا يعملون، ومن كان يريد العاجلة عجَّل الله له فيها ما يشاء لمن يريد، ثم جعل له جهنم يَصْلاها مذموماً مدحوراً، ومن كان يحبُّ العاجلة، ويَذَرُ الآخرة، يقال لهم يوم يُعرضون على النار: " أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ " الأحقاف (20)

إن مشكلتنا الكبرى هي مع الذين يريدون الدنيا، وخاصة الحكام المستبدون، فما الذي يدفع بَشَّاراً والنظام السوري أن يذبحوا مئات الألوف، وأن يُشَرِّدوا الملايين، وأن يُضْطَرَّ المحاصرون إلى لحوم القطط، والكلاب، والحمير، وقد يضطرون إلى تناول لحوم الشهداء؟!!.

وما الذي يدفع السيسي والجيش المصري إلى الولوغ في دماء الشعب، وتعذيب عشرات الألوف في السجون، رغم انهيار الاقتصاد، وعدم اعتراف العالم بشرعية الانقلاب؟!!.

بل ما الذي يدفع شرذمةً في السلطة الفلسطينية إلى الانحياز الكامل للاحتلال الصهيوني، والتعهد بأمنه، على حساب أمن المواطنين، وحقوقهم، وثوابت الشعب الفلسطيني؟!!

بل إن الحروب الطاحنة في مقدمة أهدافها الهيمنةُ على مصادر الثروة، وفتح الأسواق، واستغلال الأيدي العاملة؛ للثراء الفاحش، والرتع في الفواحش، وكل أولئك إنما عَبَدُوا الدولار والدينار، فَشَقُوا وأَشْقَوْا، وما لهم في الآخرة من نصيب، يوم يُحْمى عليها في نار جهنم، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، ولن يقبل من أحدهم مِلْءُ الأرض ذهباً، ولو افتدى به.

وأما الفريق الثاني في آية المقال فهم الذين يَسألون حسنة الدنيا، وحسنة الآخرة، مع الوقاية من عذاب النار، أيْ أن يدخلوا الجنة، دون أن يكونوا مع العصاة الذين يقعون في جهنم، ثم يخرجون برحمة الله، وبشفاعة الشافعين.

إن حسنة الدنيا تشمل العافية، والكفاف، والزوجة الصالحة، والذرية الطيبة، والعلم والوعي، وغير ذلك من الخير والبِّر، بينما حسنة الآخرة هي المغفرة، والرحمة، والجنة، ورضوان الله الأكبر، ولذة النظر إلى وجه الله، ولا تعلم نفسٌ ما أُخْفي لهم من قرة أعينٍ جزاءً بما كانوا يعملون.

وأما الآية الأخيرة فتخبر أن الفريق الثاني هذا لهم نصيبٌ مما كسبوا من أسباب حسنة الدنيا بحسن معاشرة الناس، وقصد الخير والطاعة لله في الأعمال كلِّها، وتَوَقِّي الشرور، وأسباب القذف في النار، وأما حسنة الآخرة فننالها بالإيمان، والأخلاق، والعمل الصالح، والله سريع الحساب، حتى نصل إلى الجنة دون إبطاءٍ أو تأخير، فقد أُزْلِفَتْ الجنة للمتقين غير بعيد.

 

والحمد لله على الهدى، والتوفيق، والعون .

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .