هلاك الفراعنة الأولين والآخرين في قرارهم استئصال المؤمنين

  • بتاريخ : 2013-08-20
  • مرات القراءة : 1047
هلاك الفراعنة الأولين والآخرين في قرارهم استئصال المؤمنين

هلاك الفراعنة الأولين والآخرين في قرارهم استئصال المؤمنين

 

{ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا }

الإسراء (103)

لا زال أزلام الانقلاب في مصر يُثبِتون يوماً بعد يوم أننا أمام مشهد الفراعنة الأولين شِبراً بشبرٍ، وذراعاً بذراعٍ، وأن هؤلاء العالين في الأرض، المُسرفين في القتل، هم الآخِرون الذين جعل الله الأولين سلفاً ومثلاً لهم؛ حين استكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق، وظنوا أنهم إلينا لا يُرجعون، وجعلهم أئمةً يدعون إلى النار، وأتبعهم ربُّهم في هذه الدنيا لعنة؛ فأخذه وجنوده، ونبذهم في اليم، فأغرقهم أجمعين، ويوم القيامة لا يُنصرون، بل هم من المقبوحين، فقد حاق بآل فرعون سوء العذاب؛ النارُ يُعرضون عليها في البرزخ غُدُوَّاً وعَشِيَّاً، ويوم تقوم الساعة أَدْخِلوا آل فرعون أشدَّ العذاب.

وقد أُصيب الكثير من الناس بالصدمة وهم يرون شرذمةً من الشرطة والجيش، مع قطيع من البلطجية الجُرَءَاء على الدماء يُسرفون في الإجرام؛ إذْ لم يكتفوا بفتح النار من القناصة والدبابات على المعتصمين سلمياً في ميداني رابعة والنهضة، بل راحوا يشعلون النار في الجرحى والقتلى، حتى تَفَحَّمَ عشرات الشهداء في مشهد يحاكي أصحاب الأخدود؛ حين آمنتِ الحشود بالله الودود، فأوقدوا لهم ناراً، وأقحموهم فيها، وما لهم من ذنبٍ إلا أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض، ولسان حالهم يقول: " قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا " تأسياً بسيدنا شعيب والذين آمنوا معه، كما في سورة الأعراف (89)، واقتداء بسحرة فرعون وهم يتلقون التهديد بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وتصليبهم في جذوع النخل، فما كان جوابهم إلا أن قالوا: " فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى " طه (72، 73)

إن آية الإسراء تخبر عن قرار فرعون باستئصال بني إسرائيل، وهو المعبَّر عنه بالاستفزاز من الأرض؛ أي الإخراج من الدنيا، وليس التهجير والإبعاد؛ فإن الله عز وجل كان قد أوحى إلى سيدنا موسى أن يُسْرِيَ بعباده تحت جنح الليل، وأن يتوجه بهم تلقاء فلسطين، فلما فطن فرعون لهجرتهم أرسل في المدائن حاشرين زاعماً إنهم لشرذمة قليلون، ولو أراد أن يطردهم؛ ليصبحوا لاجئين لتركهم يخرجون، لكنه قَرَّر أن يدركهم ليقتلهم، فقد أغاظوه بإيمانهم بالله رب العالمين، وهو يحاذر أن يشكلوا خطراً عليه، لو تركهم يُفلتون، فَمَنْ يضمن أن يصبحوا قوةً وشوكةً؛ بدخول المزيد من الناس في دينهم، ومِنْ ثَمَّ يعودون؛ ليخرجوا الفراعنة من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، ونَعْمَةٍ كانوا فيها فاكهين؟!!.

إن مما يؤكد أن المراد بالاستفزاز من الأرض هو الإبادة أن قريشاً قد قَرَّرَتْ قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة، فسماه الله تعالى استفزازاً في قوله:

" وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا . سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا " الإسراء (76، 77)

إنه لو كان المقصود هو الطرد والإخراج لهلكت قريش بعد ذلك بقليل، فلما لم تهلك، رغم إخراجها له من مكة؛ كان المعنى استفزازه بالقتل، وهذا ما لم يَقْدِرُوا عليه، فقد خرج من بينهم، وعَفَرَ التراب في وجوههم، وجعل الله من بين أيديهم سَدَّاً، ومن خلفهم سَدَّاً، فأغشيناهم، فهم لا يبصرون.

ألم تروا إلى ثمود؛ إذْ كان فيهم تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وقد تعاهدوا بالله أن يُبَيِّتُوا نبيهم صالحاً وأهله، وأن يتنصلوا من ذلك أمام رهطه وعصبته، فكان عاقبتهم أن دَمَّرهم الله جلَّ جلاله وقومهم أجمعين، فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا، وأنجى الذين آمنوا، وكانوا يتقون؟!!.

لقد كانت عاقبة قرار الاستفزاز والاستئصال هي غرق فرعون، ومن معه من الأجناد جميعاً، وقد نَجَّاه الله ببدنه؛ ليكون لمن خلفه آية، وأنجى موسى ومن معه أجمعين، ليكونوا آية للمؤمنين.

والسؤال هنا:

إذا كان الله جلَّ جلاله قد أغرق الفراعنة، وأدخلهم ناراً، ولم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً؛ لمجرد قرار القتل، والشروع في المطاردة، فما بالكم بمن تمكن من القتل، فأزهق الآلاف، وجرح أضعاف ذلك، واعتقل أعداداً لا يعلمها إلا الله، ثم قام بالتصفيات الجماعية، سواء للمعتقلين، أو لمجموعات من الشرطة والجيش؛ لأنهم رفضوا أن يطيعوا سادتهم وكبراءهم في القتل؛ لئلا يَضِلُّوا السبيل، فنالوا الشهادة، ودخلوا الجنة، بينما الذين أطاعوا، فقتلوا المتظاهرين السلميين، مع الزعم بأنهم أرباب العنف والإرهاب، قد اقترب حسابهم يوم يَتَحَاجُّونَ في النار، فيقول الضعفاء للذين استكبروا: إنا كنا لكم تبعاً؛ فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار؟!، قال الذين استكبروا: إنا كلٌّ فيها؛ إن الله قد حكم بين العباد، كما في سورة غافر (47، 47)، فإذا دعا الجنود على القادة بأن يؤتيهم الله ضعفين من العذاب، وأن يلعنهم لعناً كبيراً، كان الجواب: " لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ " الأعراف (38)؟!!.

إن إراقة الدماء -التي باركها المردودون إلى أرذل العمر من الزعماء- لن تضيع هدراً؛ إنها مهر اجتماع المصريين على خيار الإسلام والثورة، أو الشرعية والشريعة، ومع الإصرار على الثورة، وزيادة ولوغ ذئاب الانقلاب في الدماء؛ فإن الأحرار في الشرطة والجيش سوف يثأرون للمظلومين، وتحصل تصفيات جسدية في كبار القادة والضباط المجرمين، فيؤول الأمر إلى اللهاث وراء المصالحة، والقبول بشروط الثائرين، والأرجح أن يهرب القادة إلى الخليج أو الحجاز، ويُمَكِّنَ الله للمستضعفين في الأرض، ويجعلهم أئمة، ويجعلهم الوارثين، ويُرِيَ فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون.

 

وإنَّ غداً لناظره قريب

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .