الصوم مدرسة جهادية، واسألوا ميدان رابعة العدوية

  • بتاريخ : 2013-07-20
  • مرات القراءة : 574
الصوم مدرسة جهادية، واسألوا ميدان رابعة العدوية

الصوم مدرسة جهادية، واسألوا ميدان رابعة العدوية

 

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }

آل عمران (200)

مضى على الشعب المصري قرابة ثلاثة أسابيع وهم مرابطون في ميدان رابعة العدوية، وغيره من الميادين، ولم يزدهم دخول رمضان، واستقباله بما يَنيفُ عن ثمانين شهيداً، وأضعاف أضعاف هذا العدد من الجرحى وهم سجود في صلاة الفجر، وهو مشهد يحاكي شهداء المسجد الإبراهيمي بالخليل في ليلة النصف من رمضان قبل تسعة عشر عاماً برصاص الغدر الصهيوني.

إن ذلك لم يزدهم إلا إيماناً وتسليماً، فهم ماضون في اعتصامهم، وجهادهم السلمي إلى أن يُفْشِلوا الانقلاب، ويُعيدوا الشرعية والشريعة سيرتها الأُولى، ولْتذهبْ مؤامرة الأمريكان والصهاينة، ومن لَحِقَ بهم من أحجار الشطرنج من العرب، والفلسطينيين، وفلول النظام المصري السابق، حتى لو تستروا بالإنقاذ أو التمرد، أو تدثروا باللِّحى، وزعموا الاستقلال والتجرد، فلْتذهب بهم إلى الانهيار بهم في نار جهنم.

إنه مما لا شكَّ فيه أن الله ما كان لِيَذَرَ المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يَمِيزَ الخبيث من الطيب، وقد أغرى أعداءه وأعداءنا بإنفاق أموالهم؛ ليصدوا عن سبيل الله، وأخبر أنهم سينفقونها، وبَشِّر أنها ستكون عليهم حسرة، ثم يُغْلَبون، والذين كفروا منهم - ثم لم ينتهوا - إلى جهنم يُحِشَرون؛ لِيميزَ الله الخبيث من الطيب، ويجعل الخبيث بعضه على بعض، فيركمه جميعاً، فيجعله في جهنم، وإن سبيل هذه الغربلة لأصحاب الحق أن يبتليهم، وأن يزلزلهم زلزالاً شديداً؛ ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، ولَيَعْلَمَنَّ الله الذين آمنوا، وليعلمنَّ المنافقين، كما كشف عن مشيئته في الوعكة العسكرية يوم أُحُدٍ، فقال وهو أصدق القائلين:

"وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ . وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ..." آل عمران (16، 167)

إن امتياز الفسطاطين تمحيصٌ وعافية؛ لأن المنافقين والضالين لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خَبَالاً، وقد تَوَعَّدهم ربُّهم لو تَزَيَّلوا لعذَّبَ الذين كفروا منهم عذاباَ أليماَ، ونحن موقنون أن هذا الانقلاب الهشَّ على وشك الفشل، وأن أذنابه قد أَعْطَوْا الذريعة لتطهير الحُكْم منهم، والذين تَوَلَّوْا كِبْرَه منهم لهم عذابٌ عظيم.

إن آية المقال ترشد المؤمنين، بل تأمرهم أن يتسلحوا في مواجهة الأزمات؛ كالتي أصابتهم يوم أحد؛ بأربع خصالٍ؛ أولاها الصبر بكل أنواعه، وفي مقدمتها التجلد للابتلاء والتمحيص، والثانية المصابرة للأعداء؛ فإنهم يتمتعون بنوعٍ من الصبر؛ لأنهم يألمون كما تألمون، وإنْ يمسسكم قرحٌ فقد مَسَّ القومَ قرحٌ مثله، فَصابِروهم، وإن النصر صبر ساعة، وإن المجابهة كعضِّ الأصابع، ولا شكَّ أنكم ترجون من الله ما لا يرجون، فلا يَغْلِبَنَّ صبرهم صبركم، بل كونوا أصبرَ منهم، فإن مَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ الله، وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، وإن المجاهدين يُجْزَوْنَ الغرفة بما صبروا، ويُلَقَّوْنَ فيها تحية وسلاماً، خالدين فيها حسنت مستقراَ ومقاماَ.

كما أمرهم ثالثاً بالمرابطة بدءاً بالمساجد؛ لأن إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، من الرباط؛ إِذ إن الذي لا يُطيق الرباط السلميَّ في المسجد، لاسيما في صلاة التراويح وقيام الليل، لا يجرؤ على الرباط العسكري في الثغور؛ إنما يكون مِمَّن اثَّاقَلَ إلى الأرض، ورضوا أن يكونوا مع الخوالف.

وأما الأمر الرابع فهو تقوى الله؛ حتى لا نكون من المعتدين، سواء في حدود الله، أو في حقوق العباد، وإن كل أولئك هو درب الفلاح في الدنيا بالغلبة على العدو، وفي الأخرى بالوراثة للفردوس، هم فيها خالدون.

إن ركن الصوم يُعينُنا على تجسيد كلَّ تلك التكاليف في الواقع، فالصوم نصف الصبر، ومن استحوذ على شطر الصبر تمكن من شطره الآخر، وهو مصابرةٌ للنفس الأمَّارة بالسوء، وانتصار عليها، وعلى أعدائنا الآخرين من شياطين الجن والإنس، والدنيا الغرورة، وكذا الهوى الذي اتخذه المفطرون والانقلابيون إلهاً لهم، والصوم رباطٌ على حدود الله؛ حين تصوم الجوارح كلُّها عن محارم الله، كما أنه طريق التقوى.

لذلك فإن جهاد إخواننا في مصرَ حين يَتَزَامَنُ مع الصيام يكون أعونَ لهم على الصبر والمصابرة، والمرابطة وتقوى الله، وما أظنُّ الشهر ينسلخ حتى يجعل الله لهم فرقاناً، فيجيء الحقُّ والشرعية، ويزهق الباطل والانقلاب؛ إن الباطل كان زهوقاً، وما يُبدﺉ الباطل وما يُعيد، ويمحو الله الباطل، ويُحِقَّ الحقَّ بكلماته؛ لِيُحِقَّ الحقَّ، ويُبْطِلَ الباطل، ولو كره المجرمون.

ولعل من المناسب أن أشير إلى طائفة من وجوه الشبه بين الصيام والجهاد، بما يجعل الشهر دورة تدريبية على مقاومة أعداء الله، خاصة وأننا نجد التكليف بقتال الذين يقاتلونكم بعد إيجاب الصيام في سورة البقرة ليكون الصوم مقدمة له.

إن الصوم تدريب على ما يعاني المجاهدون من الظمأ والنَّصَب والمخمصة، ومَنْ لا يصبر على شهوة الجوع أو العطش لا يصبر على شهوة الحياة، كما فعل بنو إسرائيل حين شربوا من النهر إلا قليلاً منهم، وقد نُهُوا عنه، إلا مَنِ اغترف غُرْفَةً بيده، كما في قصة طالوت.

وهو كذلك تربية للإرادة الصلبة في الصمود والمقاومة؛ لأن الإيمان، وقوة الوازع، هي التي تَعْقِلُ اليدين، وتُطْبِقُ الشفتين، عن تناول المفطرات، ولعل الصمود أمام هذه الشهوات القاهرة أَشَقُّ منه في الميدان.

إن الفِطْر في رمضان رقٌّ وعبودية، ووقوعٌ في أَسْرِ البَطْن أو البُضْع، وإن الرقاب والمماليك، وكذا العاني والأسير، فاقدو الحرية، فكيف يملكون أن يمنحوها للبلاد أو العباد؟!!.

ولا يفوتني أن أذكر أن الصوم تدريب على أخلاق المجاهدين الذين ينفقون في السَّراء والضَّراء، والكاظمين الغيظَ والعافين عن الناس، حتى نكون كالبنيان المرصوص؛ فإن الصدقة والصوم قرينان؛ ليكون الجهاد بالمال مع الجهاد بالنفس، فإذا انضاف إلى ذلك ما يحدثه الصوم من الصحة بالتخلص من نفايات الجسد، بما يشبه تَضْمِيرَ الخيل؛ لتكون أقوى على الكَرِّ والفَرِّ، ويبقى القرآن ومُدارَسَتُهُ أكبرَ تعبئةً، وأكثر تحريضاً على القتال، وبذلك نوقن أن رمضان مدرسة جهادية بكل معنى الكلمة، وحسبنا أنه قد تجلى في صمود الشعب المصري في وجه المؤامرة الخاسرة.

والله غالب على أمره

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .