الدنيا ساعة امتحان للآخرة، والوجوه يومئذٍ فريقان: ضاحكة فاخرة، وباسرة داخرة

  • بتاريخ : 2013-06-19
  • مرات القراءة : 653
الدنيا ساعة امتحان للآخرة، والوجوه يومئذٍ فريقان: ضاحكة فاخرة، وباسرة داخرة

الدنيا ساعة امتحان للآخرة

والوجوه يومئذٍ فريقان: ضاحكة فاخرة، وباسرة داخرة

 

 { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ: هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ . إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ }

الحاقة (19، 20)

كلما أَزِفَ امتحان الثانوية العامة تَدْخُلُ كثير من البيوت في حالة طوارئ؛ ذلك أن الناس قد أَلِفُوا الاهتمام بهذه المرحلة أكثر من الامتحانات الجامعية، ولذلك، فإنهم يُؤَجِّلون كثيراً من الأعمال، ويعتذرون عن كثير من العلاقات الاجتماعية؛ لتوفير الأجواء المناسبة للمذاكرة والتحصيل، ولتنظيم الوقت والراحة، وغير ذلك.

ولا يماري أحدٌ في وجوب توفير أسباب النجاح والتفوق لطلبة العلم، سواء كانت داخلية في البيوت، أو خارجية في المجتمع، ومن هنا نشيد بقرار وزارة الداخلية مَنْعَ وسائل التشويش، لاسيما حفلات الزفاف التي تقام في الشوارع، أو الساحات المكشوفة، مع مكبرات الصوت، ولساعات الفجر الأُولى، ونأمل المتابعة الحازمة؛ بل إننا نتمنى عليهم حظرها بالكلية؛ ليذهب الناس إلى إقامتها على السُّنَّةِ في المساجد؛ حتى تَخْلُوَ من مظاهر الفسوق والعصيان، أو ليضطروا إلى اقترافها في الصلات المغلقة، فإنكم إذا بُليتم فاستتروا، حتى لا تكونوا ممن سَنَّ سُنَّةً سيئة، أو دعا إلى ضلالة، فكان عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة؛ فضلاً عما يلحق بهم من دعاء الراغبين في الراحة لِنَصَبٍ، أو مرضٍ، أو غيره، أو حتى من لعنات المتبرمين من الإزعاج، والإثم.

ولعلَّ اجتراح المعاصي من الليلة الأُولى لبناء الأُسَر الجديدة هو السبب في فشل تلك الزيجات، وازدياد حالات الطلاق في سِنِّ الشباب، فضلاً عن عقوق الأبناء وانحرافهم، وغير ذلك من أسباب النكد والشقاء.

وليس من غرضي في هذا المقال أن أتوسع في التعقيب على الاختبارات الدنيوية، إنما قصدت أن أَشُدَّ الانتباه إلى اليوم الآخر، وللآخرة أكبر درجات، وأكبر تفضيلاً، وللآخرة خيرٌ لك من الأُولى.

إنه كما ينقسم قرابة تسعين ألف طالب وطالبة إلى فريقين، فريقٍ ناجحٍ، وفريقٍ مُخْفِقٍ، وأن الأولين درجات، فمنهم السابق بالدرجات العلا، ومنهم دون ذلك، كما أن فيهم المقتصد المتوسط، ولكنْ مَنْ زُحزح عن الرسوب، وأُدخل في الناجحين؛ فقد حاز الشهادة، فكذلك اهل الجنة الذين يأتون آمنين يوم القيامة هم درجات، فمنهم السابقون السابقون الكائنون من المقربين، فهم في رَوْحٍ وريحان وجنة نعيم؛ بل لمن خاف مقام ربِّه جنتان ذواتا أفنان، فيهما عينان تجريان، فيهما من كل فاكهة زوجان، متكئين على فُرُشٍ بطائنها من إستبرق، وجنى الجنتين دانٍ، فيهن قاصرات الطَّرْفِ، لم يَطْمِثْهُنَّ إنسٌ قبلهم ولا جانٌّ، كأنهن الياقوت والمرجان، ومنهم أصحاب اليمين، ولهم جنتان مُدْهَامَّتانِ، فيهما عينان نَضَّاختان، فيهما فاكهةٌ ونخلٌ ورُمَّان، فيهن خيراتٌ حسانٌ حورٌ مقصورات في الخيام، لم يطمثهن إنسٌ قبلهم ولا جانٌ، متكئين على رفرفٍ خُضْرٍ وعبقريٍّ حِسَان، فهم في سدرٍ مخضود، وطَلْحٍ منضود، وظلٍّ ممدود، وماء مسكوب، وفاكهةٍ كثيرة، لا مقطوعةٍ ولا ممنوعة، وفرشٍ مرفوعة، ولكنْ مَنْ زُحزح عن النار، وأُدخل الجنة، فقد فاز؛ بل مَنْ يصرفْ عنه عذاب جهنم يومئذٍ فقد رَحِمَه، وذلك الفوز المبين.

أما المخفقون فهم دركات، فمنهم من يتدنى عن النجاح، ولو بدرجةٍ واحدة، ومنهم منتهوي به النتائج في وادٍ سحيق، فكذلك الحال فيمن وَذرَهم ربُّهم في جهنمَ جِثِيَّاً؛ فإن فيهم عصاةَ المؤمنين الذين تشملهم الشفاعة، فيخرجون منها في أوقاتٍ مختلفة، لكنهم يكونون في أعلى دركاتها، وهم أهون أهلها عذاباً، لكنَّ أحدهم لو لَبِسَ نعلين من نارٍ، أو وُضِعَتْ تحت إخمص قدميه جمرتان؛ لَغَلَتْ منهما دماغه، ولاعْتقدَ ان أحداً لم يُفَضَّلْ عليه بعذاب، وإنه لأهونهم عذاباً، ثم إن من أهل النار من يكون في الدركة الثانية، وهكذا إلى الدرك الأسفل من النار، وهو السابع الذي يجمع المنافقين من هذه الأمة نفاق اعتقاد، صاروا به منافقين خالصين، مع الذين كفروا من النصارى من أهل المائدة، ومع آل فرعونَ الذين يدخلون يوم تقوم الساعة أشدَّ العذاب.

أما آية المقال فتخبر عن السعادة التي تَغْمُرُ قلب الذي يُؤْتى كتاب أعماله بيمينه؛ فإنه من فَرْطِ سُروره يطلب من أهل الحشر لأان يقرؤوا كتابه، ليروا ما فيه من العمل الصالح الذي تُقُبِّلَ منه، ويكشف عن السِّرِّ الأساس في فوزه بالعيشةِ الراضية، في جنة عالية، قطوفها دانية، مع التكريم بالقول: " كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ " الآية (24)؛ فإذا هو يقينه في الدنيا بأنه ملاقٍ حسابه، فكان قَبْلُ في اهله من المشفقين، إنَّ عذاب ربهم غير مأمون، فكان ممن يُؤتُونَ ما آتَوْا وقلوبهم وَجِلةٌ أنهم إلى ربهم راجعون، فسارعوا في الخيرات، وهم لها يابقون؛ ذلك أن من أُوتي كتابه بيمينه فسوف يُحاسب حساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله مسروراً، أو يكون ممن يدخلون الجنة بغير حساب، ولن ينالها إلا الذين يظنون أنهم ملاقو ربِّهم، وأنهم إليه راجعون.

وقد عطفتْ سورة الحاقة عليهم من أُوتي كتابه بشماله، فقال: يا ليتني لم أُوتَ كتابيه، ولم أَدْرِ ما حسابيه، يا ليت الموتة الأولى كانت القاضية، ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه، ولن يكون من أمره إلا قول ربِّه للزبانية: " خُذُوهُ فَغُلُّوهُ .ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ . ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ " الحاقة (30 - 32)

ذلك أن من أوتي كتابه بشماله من وراء ظهره فسوف يدعو ثُبُوراً، ويَصْلَى سعيراً؛ إنه كان في أهله مسروراً؛ إنه ظن أن لن يَحْور، وسيقال لهم: " وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ . فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ " فصلت (23، 24)

        وإنما رقمت هذا المقال في ظلال مشهد امتحانات الثانوية العامة؛ عسى أن نسعى لآخرتنا بأكثر مما نشقى لدنيانا، وقد يكون هذا سبباً في شقاء الأبد، والعياذ بالله الأحد الصمد.

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .