التعاطي مع المصالحة بشيءٍ من المسامحة في مبادي التمكين من البصيرة بالسيرة لسيد المرسلين

  • بتاريخ : 2013-05-23
  • مرات القراءة : 774
التعاطي مع المصالحة بشيءٍ من المسامحة في مبادي التمكين من البصيرة بالسيرة لسيد المرسلين

التعاطي مع المصالحة بشيءٍ من المسامحة

في مبادي التمكين من البصيرة بالسيرة لسيد المرسلين

  {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ }

يوسف (108)

لا زالت جهود المصالحة تُراوح مكانها، وتَنْفَضُّ عشرات اللقاءات منذ عام 2005م، ولا تتمخض عن شيءٍ ملموس، وكلما سُدَّتْ السبل في وجه أزلام السلطة فَزِعوا إلى المضغ في المصالحة؛ كفزاعة للاحتلال، أو الأمريكان، وبعض زبائن السمسرة من العرب والعجم.

ومن هنا؛ فإن هناك ضجراً من الاستجابة في كل مرة، والركض تلقاء القاهرة؛ لتحقيق أهداف بعض الأطراف، وليست المصالحة من بينها؛ إلا إذا رضيتْ حركة حماس أن تذهب إلى حَتْفِها بِظِلْفِها؛ كأنْ تعترف بشرعية الاحتلال، أو تتخلَّى على المقاومة، أو أن تقبل بمكر عباس في استدراج حماس إلى انتخابات على المقاس، تضمن كنسها خارج الشرعية عبر اقتراعٍ مُفَبْرَكٍ، يعيدها إلى المعارضة الملاحقة أمنياً، وبذلك تكون المصالحة أقصر السبل إلى الاقتتال من جديد، وهذا ينسجم مع المقاولات الأمنية مع الاحتلال؛ فإنه يُلْهِي المقاومة عن الاحتلال؛ بل ويستنزفها مادياً وبشرياً، فلا تستطيع أن تصمد لعدوان دولي ثالث، بعد الفرقان، وحجارة السجيل.

وأنا لا ألوم أبا مازن ولا الأطراف الأخرى على التشبت بمواقفهم، ولو أدَّى ذلك إلى انتكاسة جهود المصالحة، إنما أتوجه بالعتاب إلى حركة حماس؛ لماذا لا تُوَظِّفُ الانتصارات والمتغيرات الإيجابية في تصليب مواقفها؛ حتى يتوقف الآخرون عن الضغط عليها، والقبول بالرجوع إلى الاتفاقات السابقة، وعلى سبيل المثال؛ فقد رضيتْ قبل الثورة المصرية بأن تكون حصة الدوائر في الانتخابات 25% فقط، ما أطمع (عباس) بمزيد من الضغط أن يلغي الدوائر بالكلية لحساب القائمة التي تحجم حركة حماس، وترفع من عدد المقاعد لحركة فتح، فلماذا لا نقول: إن ذلك القبول جاء في عهد عمر سليمان الذُّخْرِ الاستراتيجي للصهاينة، أَمَا وقد غادر الدنيا، وهَوَى نظامه في الدرك الأسفل، فلا نقبل بأقل من 50% للدوائر؛ بل نطالب أن تكون الانتخابات كلها بنظام الدوائر بالكامل، كما أنه قد وقعتْ فلتةٌ في الدوحة، فلماذا نظلُّ في مُنْزَلِقِها بعد حجارة السجيل، لاسيما مع فاقد الشرعية، ومغتصبها في الضفة الغربية؟!.

إن غرضي من إيراد تلك الآية من سورة يوسف شَدُّ الانتباه إلى أن الدعوة إلى الله، إنْ في مرحلة الدعوة، أو الدولة؛ تحتاج إلى بصيرة بنوعين من الفقه: فقه الوحي، وفقه الواقع؛ بحيث نخوض معاركنا السياسية والعسكرية وفق رؤيةٍ سديدة للمنهج الحركي للسيرة النبوية.

ومن المعلوم أن الدعوة الإسلامية مَرَّتْ بطورين في الفترة المكية، وطورين آخرين في حقبة الدولة في الفترة المدنية، فأما الطَّوْرُ الأول فقد سلخ ثلاث سنين في سرية الدعوة والتنظيم، حتى إذا أُمِرَ نبيُّنا عليه الصلاة والسلام أن يصدع بما يؤمر، وأن يُعْرِضَ عن المشركين؛ دخل في الطور الثاني، وهو جهرية الدعوة وسرية التنظيم، وقد لقي المؤمنون الأولون من العَنَتِ ما جعلهم يهاجرون إلى الحبشة، ويقبلون بحماية بني هاشم وبني المطلب مؤمنهم وكافرهم إِبَّانَ الحصار في شِعْب أبي طالب، بل إن النبيَّ عليه الصلاة والسلام قد اضطر للدخول في حماية المطعم بن عَدِيٍّ وهو مشرك، عندما رجع من الطائف، وقد صَدَّ أهلها عنه صدوداً.

وقد امتدَّ هذا الطور عشر سنين كنا مكلفين فيها بكفِّ أيدينا، والصبر على ما يقولون، وأن نهجرهم هجراً جميلاً، وأن نُمَهِّلَهم قليلاً، ونُمْهِلَهم رُويداً، حتى كانت بيعة العقبة الكبرى، والشروع في الهجرة إلى طَيْبة.

أما الطور الثالث فقد ناهز خمس سنين، كان طابعها المقاومة، والتصدي للعدوان، وقد اضطر النبيُّ عليه الصلاة والسلام أن يهادن ما استطاع من الأعداء، وأبرزُ مثال على ذلك أنه صَهَرَ أهل المدينة يهوداً وعرباً، مؤمنين ومشركين، في دستورٍ واحد، يقوم على التعايش، والتكافل في الحاجات والمغارم، كما تضمن الدفاع المشترك، غير أن طوائف اليهود الثلاث قد نقضوا عهدهم، وهم ينقضونه في كل مرة، أو ينبذه فريق منهم وهم لا يتقون.

وقد هَمَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُغْرِيَ هوازن بثلث ثمار المدينة؛ إنْ هم تركوا قريشاً والأحزاب، وانصرفوا، حين رأى العرب قد رمتهم عن قوسٍ واحدة يوم الخندق؛ ولكنَّ الله سلَّم، فقد أرسل عليهم ريحاً وجنوداً لم تَرَوْها، ورَدَّ الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال الدفاعي؛ لتكون تلك المعركة فُرقاناً بين طورين، فقد بدأ بعدها جهاد الزحف والطلب، ومع ذلك فقد اضطر أن يهادن قريشاً في صلح الحديبية، وأن يقبل بعض التمحكات في الشروط، بما ظاهره إعطاء الدَّنِيَّةِ في الدين، لو لا نزول سورة الفتح؛ لتصفه بالفتح المبين المفضي إلى النصر العزيز.

ومن المعلوم أيضاً أنه في العام السابع للهجرة كان قد أَدَّى عمرة القضاء، ولم يتعرض لأصنام قريشٍ المغروزة حول الكعبة، وهي بعدد أيام السنة، حتى إذا فتح مكة في العام الثامن جعلها جذاذاً، ولم يترك كبيراً لها ولا صغيراً إلا وضربه بِمِنْسَأَتِهِ وهو يتلو قوله تعالى: " وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا " الإسراء (81)

ما أريد قوله: إن كل مرحلةٍ تحتاج من الرُّخَصِ والمرونة ما يجعلنا نجتازها بأقلِّ الخسائر، مع عدم المداهنة في العقيدة والثوابت، وأننا اليوم مَدْعُوُّن أن نجتهد في تحديد الطور الذي وصلنا إليه في إطار التدرج في التمكين؛ لنرى هل بِوُسْعِنا أن نَرْكُلَ المصالحة بالكلية، أم أننا مضطرون أن نتوصل إلى اتفاقٍ يُضعضع التعاون الأمني مع الاحتلال، ويوقف الملاحقة الأمنية في الضفة الغربية، ويسعى في المصالحة المجتمعية، في الوقت الذي نُحيي فيه ميثاق منظمة التحرير؛ بما يحقق الشراكة المقبولة فيها، وإنْ كانت الأطراف تراها مُحَرَّمةً علينا، حتى نفيء إلى اتفاقياتهم، فنكون سواءً، ولن يرضوا عنا حتى لو اتَّبعنا مِلَّتهم.

ولعله من المناسب أن أشير إلى أن أفراداً مُتَنَطِّعين، لا يؤمنون بالمرحلية في الدعوة، ويريدون أن يأخذوا بالأحكام النهائية التي في سورة التوبة، حتى لو كان تمكيننا متواضعاً، بل ومختنقٌ بالحصار والعدوان، وقد اشْتَطَّ بعضهم، فرأونا مرتدين، وأن قتالنا واجب، وما دَرَوْا أنهم بذلك يُقَدِّمون أعظم هديةٍ للاحتلال من حيث لا يعلمون.

والله خير حافظاً، وهو أرحم الراحمين

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .