الإعجاز التشريعي مفهومًا ومزايا وأمثلة لطيفة

  • بتاريخ : 2013-05-5
  • مرات القراءة : 20892
الإعجاز التشريعي مفهومًا ومزايا وأمثلة لطيفة

الإعجاز التشريعي مفهومًا ومزايا

(وفيه اجتهاد الشيخ في تساوي أنصباء الزكاة مع اختلاف أنواعها)

الحمد لله الذي نزّل الكتاب تبيانًا لكل شيء، وهدىً وبشرى للمسلمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الخلق والأمر، وله الحكم، وإليه ترجعون، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله قد أيده مولاه بالمعجزات، وجعل أعظم معجزة هي القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.

فهذه ورقة عن "الإعجاز التشريعي مفهومًا ومزايا" مدعومًا بالأمثلة التشريعية المصدقة لما بين يديها من المفاهيم والحقائق، آملًا أن أكون قد ضربت بسهم في إماطة اللثام عن هذا الموضوع الذي لم يأخذ حقه من البحث فيما وقفت عليه من المصنفات.

وقد تحدث العلماء عن جوانب عديدة للإعجاز، وذهب بعضهم إلى أن باب الإعجاز مفتوح إلى يوم القيامة، وأنه بإمكان الخلف أن يضيف إلى ما ذكره السلف بحسب تطور الحياة والتقدم العلمي.

لذلك كان من واجب العلماء والدعاة أن يحددوا وجوه إعجاز القرآن الكريم، بإيضاح غير المحبّر، وإضافة ما عساه يتكشف على مرّ الأيام، لأن الحديث في الإعجاز لا سيما العلمي والتشريعي أقرب السبل لإقامة الحجة على العباد، فيهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيّ عن بينة، وإن الله لسميع عليم.

 أولًا: مفهوم الإعجاز العلمي:

إذا كان الإعجاز العلمي هو العجز عن المحاكاة، حتى لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، فإن هذا ينسحب على معنى الإعجاز التشريعي، كونه فرعًا للمصطلح العام.

لذلك أرى أنه: "عجز المتفوقين في التشريع والتقنين عن أن يأتوا بأحكام من مثله، أو أن يدركوا معظم ما فيه من كنوز المقاصد والعلل، أو بالإشارات والحكم المتعلقة بالأحكام التكليفية في جوانب الحياة المختلفة".

 ثانيًا : أهمية الإعجاز التشريعي ومزاياه:

تحدث الطاهر بن عاشور في مقدمة تفسيره (التحرير والتنوير) عن ضوابط وجوه الإعجاز، فلما أتى على الإعجاز التشريعي رآه أهم تلك الوجوه على الإطلاق، لأنه المعجز للبشرية قاطبة على مرّ العصور كما يراه، متكئًا في ذلك على أن بعض وجوه الإعجاز لا يدركها إلا المشتغلون بها، خاصة البياني منها، فإنه قاصرٌ على أهل الفصاحة والبلاغة المتشبعين من علوم اللغة، بخلاف الإعجاز التشريعي، فإنه يمكن أن يعيه جميع العقلاء في البشر، ولو لم يكونوا عربًا؛ إذا وجدوا ترجمة متقنة لما فيه من الحكم والأحكام.

وقد وجّه عتابًا للباقلاني وغيره ممن صنّفوا في الإعجاز، ولم يفطنوا لهذا الجانب، رغم أهميته البالغة – على حدّ رأيه - .

ولا بد عند الحديث عن مزايا الإعجاز التشريعي أن نتوقف عند النقاط الأربع التالية:

1)  أن التشريع الإسلامي منهج حياة كامل، فليس عبادات تؤدى فقط، إنما هو كذلك معاملات وعلاقات دولية، وقضاء وعقوبات، فهو قائم على عمارة الأرض إسعادًا للناس، ورفعًا لراية الله فيها، لذلك فإن التشريع لا يبدأ بأدب الخلاء، ولا ينتهي بالجهاد بالأموال والأنفس في سبيل الله.

2)  إن هذا الدين يُسر؛ إذ لم يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وما جعل الله عليكم في الدين من حرج، ملة أبيكم إبراهيم، حتى إذا كان أصل التشريع عسيرًا على بعض الأفراد أو الجماعات، فإن الرخص والاستثناءات منتفسًا وسعة، والضرورات تبيح المحظورات، لكنها تقدر بقدرها، كما أن الحاجات تنزل منزلة الضرورات، عامة كانت أو خاصة.

3)  اتصف التشريع الإسلامي بالتقعيد والعموم آية على شموله لجميع الأزمنة أو الأمكنة، حيث إن أكثر النصوص جاءت بألفاظ العموم، أو بمصطلحات فضفاضة يمكن أن ينضوي تحتها كل المستجدات والنوازل، ومن ذلك أمره سبحانه بالبرّ والتقوى، ونهيه عن الإثم والعدوان، وكذا أمره بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهيه عن الفحشاء والمنكر والبغي، وحين نهى سبحانه عن أكل الأموال بالباطل دخل فيه كل المعاملات المنهي عنها، ويكفي في العموم أن الله تبارك وتعالى قد أحل الطيبات، وحرم الخبائث، كما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل الفرق بين البرّ والإثم ما اطمأنت إليه النفس، وأحببت أن يطلع عليه الناس، أو حاك في الصدر، وكرهت أن يطلع عليه الناس.

4)  إن من أهم ما يميز التشريع الإسلامي أنه يعُدّ كل حكم فيه جزءًا من الإيمان بالله واليوم الآخر، وكذا الكتاب والنبيين، قد صدِّرت كثير من الأحكام بنداء المؤمنين، كما تضمنت معظك التشريعات تحريض الناس على التزامها بوصفها أصل الإيمان أو كماله على الالتزام بها. ومن ذلك:

قوله تعالى: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا". النساء: 65

وقوله تعالى: " إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم يقولوا سمعنا وأطعنا، وأولئك هم المفلحون" النور : 51

ثالثًا: الأمثلة التشريعية للإعجاز:

كما أن الإعجاز البياني متحقق في كل سورة أو آية، فكذلك الإعجاز التشريعي موجود في كل حكم من قوانين هذا الدين، وإن كانت رؤية ذلك تختلف قوة وضعفًا، غير أننا نعتقد أن مجمل التشريع يضمن المصلحة التامة للإنسان في الدنيا قبل الآخرة، وأن أي إخلال بالالتزام ينعكس سلبًا على حياة الإنسان بما أننا صنعة الله، ودينه سبحانه هو صبغته، ومن أحسن من الله صبغة، ونحن له عابدون.

ومن باب التشبيه التقريبي فإن صانع كل آلة يرفق معها كتيبًا يصف التشغيل الأمثل لها، بحيث يكون الالتزام بتعليماته ضامنًا أطول مدة لعمل تلك الأجهزة، وإن أي إخلال بطريقة عملها قد يعود عليها بالعطب كليًا أو جزئيًا.

وفي هذه العجالة أود أن أضرب مثلًا واحدًا لا يخلو من طول، غير أنه ممتع غير ممل، وهو يتعلق بأنصبة الزكاة ومقاديرها في الأموال المتعددة؛ حيث النقدان، وبهيمة الأنعام غير المعلوفة السائمة، والزروع؛ حيث لاحظت التساوي أو التقارب بين تلك الأنصبة، ومقدار ما يخرج منه، رغم اختلاف أنواع المال.

فمن المعلوم أن نصاب الزكاة في الذهب عشرون دينارًا، وأن مقدارها فيها نصف دينار، وأن نصاب الفضة خمس أواقٍ، أو مائتا درهم بما أن الأوقية من الفضة أربعون درهمًا، وأن مقدارها خمسة دراهم.

أما بهيمة الأنعام فالزكاة في الشياه تبدأ بالأربعين، وفيها واحدة، بينما في الإبل تبدأ بخمسة، وفيها شاة واحدة.

ولما كانت البقر مختلفة في نصابها، وأن بعض العلماء قد ألحقها بالإبل، لدخولها في مدلول (البُدن)؛ أي البهائم البدينة الجثة، خاصة وأنها كالجمالة، تغني الواحدة عن سبعة في الأضاحي، وهدايا الحجيج المتمتعين أو القارنين.

وأما نصاب الزروع فيبدأ بخمسة أوسق، وفي كل وسق ستون صاعًا، فيكون نصابها (300) ثلاثمائة صاع، وأن الزكاة بين العشر ونصفه؛ بحسب السقي، هل فيه مؤونة وكلفة، فيكفي نصف العشر، أو سقي مجانًا بالسماء ونحوها، فيلزم فيه العشر، وأنا هنا أقارن مع نصف العشر، أي أن مقدار الزكاة يكون (15) خمسة عشر صاعًا.

ولمعرفة تساوي هذه الأنصاب وتلك القيم، إليكم ما يلي:

1)  كان صرف الدينار في زمن التشريع يساوي (10) عشرة دراهم، فيكون نصاب الفضة مساويًا لنصاب الذهب؛ إذ لو ضربنا (20) دينارًا × (10) دراهم لكان الجواب (200) مائتي درهم.

وكذلك الحال في مقدار الزكاة؛ حيث أن نصف الدينار يساوي خمسة دراهم.

2)  أما عن نصاب الغنم، فقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أعطى عروة البارقي -رضي الله عنه- دينارًا ليشتري له به شاة، فاشترى بالدينار شاتين، ثم باع شاة بدينار، وأتى النبي -عليه الصلاة والسلام- بالشاة والدينار، فدعا له بالبركة في صفقة يمينه، فكان لو اشترى ترابًا لربح فيه.

إن وجه الدلالة فيه أنه اشترى شاتين بدينار واحد، فأفاد أن ثمن الشاة الواحدة لا يقل عن نصف دينار، لذلك فإن الأربعين شاة توازي العشرين مثقالًا من الذهب، ومقدار الزكاة متساوٍ كذلك، ما دامت الشاة الواحدة بنصف دينار على الأقل.

3)  أما الإبل فإن كل ناقة توازي سبع شياه في الأضحى والهدي، ولما كان نصاب الإبل يبدأ من خمسة؛ فإن هذا يعني أنها تساوي (35) خمسًا وثلاثين شاةً على الأقل، لو كان النصاب ستةً من الأبل، لكانت تساوي (42) اثنتين وأربعين شاة، وهذا مجاوز للنصاب، فروعي في ذلك حق الفقراء، لا سيما وأن حق المالك مراعى في الأوقاص، وهي الأعداد الزائدة بين نصابين، فالأعداد من (6 – 9) في الإبل ملحقة بالخمسة، ولاشيء فيها، حتى إذا بلغت عشرًا وجب فيها شاتان، وبذلك يكون نصاب الغنم والإبل متقاربًا، بينما الزكاة واحدة، فهي شاة في كل منهما.

4)  فأما زكاة الزروع فتبدأ من (300) صاع من البر والشعير ونحوه، والصاع في كفارة الصيام طعام المسكين الواحد، وقد ثبت من قصة بدر أن البعير الواحد يطعم قريبًا من مائة من الآكلين، فقد سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- غلامًا لقريش تم أسره عن عددهم، فأجاب بأنه لا يعرف، فسأله كم ينحرون؟ فقال: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، فقال عليه الصلاة والسلام: القوم بين التسعمائة والألف، فإذا أخذنا اليوم الذي يذبحون فيه تسعًا مقياسًا، كان الجمل الواحد نصيبًا لمائة وخمسة رجال؛ لأننا إذا ضربنا هذا الرقم في (9) كان المجموع  (945) رجل. ولما كانت الناقة الواحدة تغني عن سبع شياه في الأضحى والحج، فمعنى ذلك أن الشاة الواحدة تشبع (15) خمسة عشر رجلًا؛ إذ بقسمة (105) ÷ (7) يكون الجواب (15)، وهو عين الرقم الذي يمثل زكاة الزروع المروية بالنضج، أو بالماء المدفوع الثمن، فينتج أن مقدار الزكاة في الزروع يساوي شاة واحدة، وهي مقدار الزكاة في الغنم.

ولا بد من التنبيه إلى أن مقدار الزكاة يتضاعف إلى (30) ثلاثين صاعًا في الزروع البعلية لانتفاء الكلفة فيها؛ ولأن الزروع عليها مدار الأقوات في الأنام والأنعام على حد سواء.

فإذا عرفت ذلك ظهرت لك الدقة في التساوي بين أنصباء الزكاة ومقاديرها في أنواع الأموال المختلفة، وهذا لون من الإعجاز لا يحيط بعلمه إلا علام الغيوب، الذي يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير.

وقد يكون من المفيد أن أذكر أن هذا المثال لم أقرأه في كتاب، ولا سمعته من ذوي الألباب، إنما هو شيء هداني الله إليه بالنظر والتدبر، ولا أزعم فيه مطلق الصواب، وكلي آذان صاغية لمن يشد فيه أزري، أو يسدد فيه رأيي، حتى لو ظن أنه لا يستحق إلا أجرًا واحدًا، أعني اجتهادًا غير موفق.

ولعله من المهم في المقارنة بين منهج الله، والدساتير الوضعية أن نرى الفرق الشاسع بين الخفة إلى دفع الزكاة طيبة بها نفوس المؤمنين، وبين التهرب من الضرائب الذي لا يكاد يجتنبه إلا النزر اليسير، بل إن المؤمنين المفلحين الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون هم الذين قال الله فيهم: " والذين هم للزكاة فاعلون"؛ أي إنما يدفعهم للعمل طمعهم في فعل الزكاة من المال الذي يكتسبونه بالضرب في الأرض، والابتغاء من فضل الله.

 المصارحة بوجوب قهر البغاة على المصالحة المصارحة بوجوب قهر البغاة على المصالحة
مشاهدات : 409 ، بتاريخ : 2015-03-22

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .