المطلوب هو المصالحة على الإيمان بالله علَّامِ الغيوب، وسبيلها المسامحة وتأليف القلوب

  • بتاريخ : 2013-04-17
  • مرات القراءة : 896
المطلوب هو المصالحة على الإيمان بالله علَّامِ الغيوب، وسبيلها المسامحة وتأليف القلوب

 

المطلـــــوب

هو المصالحة على الإيمان بالله علَّامِ الغيوب، وسبيلها المسامحة وتأليف القلوب

  { عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ  }

الممتحنة (7)

     انبعث أملٌ حذرٌ في الوصول إلى مصالحة في الساحة الفلسطينية برعاية مصرية؛ حيث الاجتماعات التترى، ولا تكاد تجد شيئاً ملموساً على الأرض، لاسيما في الضفة الغربية، ومن هنا فليس مستهجناً أن نجد الفرقاء وقد عادوا إلى نقطة الصفر، أمام عقدة الأجهزة الأمنية، أو التنصل من ملف منظمة التحرير، أو حتى مفاوضات تشكيل الحكومة، أو سياسة الحكومة أو بعض وزرائها، إنْ كُتِبَ لها أن تتجسَّد في الواقع، وقد نجد أنفسنا أمام تصعيد جديد يعود بنا إلى ما قبل منتصف حزيران عام 2007م، لكن الذي أجزم به أننا في يوم من الأيام سوف نصل إلى المصالحة، سواء في الجولة الحالية، أو التي تليها، وربما تتراخى إلى التي وراءها، فما من عام منذ سبعة أعوام إلا وفيه اتفاق، غير أن غياب الإرادة، وانتفاء الاستقلالية، يذهب بالجهود أدراج الرياح، ويعيدنا إلى البدايات.

     إن الوصول إلى المصالحة رهين بحصول تغيرات إيجابية هامة في المنطقة، وقد لاحتْ تباشيرها، فمصر لم تَعُدْ مأسورة لمبارك وعمر سليمان، أما أحدهما فقد أفضى إلى ما عمل، وأما الآخر فلن يطول الزمان حتى يلحق بهامان، وحركة فتح لم تعد كما كانت، فقد أفلس برنامجها السياسي، وهي اليوم أعجز من أن  تدفع رواتب جيش الموظفين، ولا يغرنكم خطوة الاعتراف بِحَقِّهم في دولةٍ بصفة مراقب على أرفف الأمم الصليبية المتحدة، فقد جاءت في إطار التقهقر إلى الوراء، في عام واحد؛ حيث كان الطلب السابق هو العضوية الكاملة، كما أن شبه الإجماع على حقنا في حضور الاجتماعات مُكَمَّمي الأفواه قد يُخفي وراءه إلغاء شرعية منظمة التحرير، ما دمنا قد حصلنا على اسم الدولة، فإن الشعوب تقاوم وتجاهد للوصول إلى الاستقلال والدولة، وقد يعود السرُّ في ذلك إلى أن الحركة الإسلامية تتطلع للمزاحمة والشراكة في المجلس الوطني، واللجنة التنفيذية، والسفارات، والساحات الخارجية، وهناك وَجَلٌ من أن تتكرر مصيبة المجلس التشريعي، فلتذهب منظمة التحرير إلى السراب، كما ذهبت فلسطين كلها من الصفقة الأُولى، يوم بُورِك للصهاينة في أوسلو أربعة أخماسها، ورضوا أن يكون الخمس الباقي خاضعاً للمفاوضات، فهو أراضٍ متنازعٌ عليها، والله أعلم بما كانوا يكتمون.

       أما آية المقال فتزفُّ البشرى بأن شمل القرشيين من المؤمنين والمشركين سيجتمع، وتَحُلُّ المودة مكان العداوة، ويُدْفَعُ الخِصام بالوئام، وأن هذا من مظاهر قدرة الله؛ فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، يُقَلِّبُها كيف يشاء، ومهما استحكم بينها العداء؛ فإن الله جل جلاله قادر على أن ينزع ما في صدورنا من غِلٍّ إخواناً، على الإسلام والمقاومة مجتمعين، كما آخى بين العرب أول مرة، وألَّف بين قلوبهم بالإيمان، فقاتلوا في سبيله صفاً، كأنهم بنيان مرصوص، وصاروا أشبه ما يكون بأهل الجنة إخواناً على سُرُرٍ متقابلين.

       وقد ختم الآية بالتذكير بصفتي المغفرة والرحمة؛ للإغراء بالدخول في الشراكة والوحدة من بوابة الإسلام والجهاد؛ فإنهم إن ينتهوا يُغْفَرْ لهم ما قد سلف، ويعاملوا بالرحمة في مقبل الأيام، وإلَّا ينتهوا عما يقولون أو يفعلون ينتهوا من الوجود؛ ويذيقَهم ربهم لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.

       ومن المعلوم أن سورة الممتحنة قد نزلت بشأن فتح مكة، منتهزةً خَطَأً وقع من حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه؛ إذْ كان أحدَ ستة أطْلَعَهم النبي صلى الله عليه وسلم على نِيَّتِهِ غزو قريش على إثر نقضها صلح الحديبية، فإذا به يجتهد في إرسال كتابٍ بذلك لرجالٍ من قريش؛ ليكون معروفاً عندهم، فلا يتعرضوا لولده ورَحِمِه بسوء، حين يفاجؤون بنا ندخل عليهم من أقطارها، ولم يكن هذا عن رِدَّةٍ أو خيانة، إنما أخذته لحظة الضعف البشري على أهله وبَنِيه، وكان بَدْرِيَّاً، فلما استأذن عمر رضي الله عنه في قتله؛ نهاه النبي عليه الصلاة والسلام راجياً أن يكون الله عز وجل قد أَذِنَ لأهل بدر أن يعملوا ما شاؤوا، فقد غفر لهم، وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً.

        وبهذه المناسبة فقد نزلت السورة تنهى عن اتخاذهم أولياء، تُلقون إليهم بالمودة، وقد فعلوا بكم ما فعلوا؛ فإن أرحامكم وأولادكم لن ينفعوكم يوم القيامة، فلا أنساب بينهم يومئذ، ولا يتساءلون، ولا يجزي والدٌ عن ولده، ولا مولودٌ هو جازٍ عن والده شيئاً، ولكلِّ امرئٍ منهم يومئذٍ شأنٌ يُغْنِيه، وكلهم آتيهِ يوم القيامة فردا.

       وقد أكدت وجوب المفاصلة معهم بدعوتنا إلى الاقتداء بإبراهيم والذين معه في موقفهم الصارم من قومهم؛ حتى يؤمنوا بالله وحده، وعندئذٍ نزل بالمؤمنين من الحرج ما اللهُ به عليم؛ فراح ربُّنا تبارك وتعالى يُسَرِّي عنهم، مبشراً بأن هذه العداوة المستحكمة بينكم يوشك أن تنقلب إلى أُخوة ومودة، وما كاد النبي عليه الصلاة والسلام يفتح مكة، ويعفو عن أهلها، حتى دخلوا في الإسلام، وخرج منهم ألفان معنا يوم حُنَيْنٍ بعد شهرين من مَجِيء نصر الله والفتح، وقد انقشعتِ العداوة، وخَيَّمَتِ المودة والأخوة، وتلك أسمى صور المصالحة التي صَفَتْ معها القلوب، واصْطَفَّت بها الأقدام في محاريب العبادة، ومواقع الرباط، وفي صفوف الزحوف في سبيل الله.

          إن هذا هو المأمول في المصالحة مع حركة فتح، وبقية المجموعات الفلسطينية؛ فإنه متى فتح الله علينا من بركات السماء والأرض؛ أمكننا أن نتألف قلوب الناس أُسْوةً بيوم حُنَيْنٍ، وعندها سيفيء الناس من الولاء للصهاينة والدول المانحة؛ بل المستعبدة للنفوس في مقابل رمق الحياة، إلى الولاء لله ولرسوله والمؤمنين، وأما أكابر مُجْرِمِيها فلسوف يموتون بغيظهم، وربما يتوب بعضهم، فيتوب الله عليه، ويصبحون من إخوانكم في الدين ومواليكم، وعندها يتحقق الرجاء الأكيد في آية المقال، فقد جعل بينكم مودةً ورحمةً، وأصبحتم بنعمته إخواناً، ولا بُدَّ من التأكيد على ضرورة التمييز بين المُسالمين؛ لنعاملهم بالبر والقسط، وبين الذين قاتلوكم في الدين، وظاهروا عليكم عدوكم، فلا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً؛ حتى يؤمنوا بالله وحده.

 والله ولي المؤمنين

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .