( تطبيق القرار بكسر الحصار يَمِيزُ الأبرار من الفُجَّار

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 617
( 	تطبيق القرار بكسر الحصار يَمِيزُ الأبرار من الفُجَّار

في رحاب آية

د . يونس الأسطل

             ( تطبيق القرار بكسر الحصار يَمِيزُ الأبرار من الفُجَّار )

{ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً *  أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً}

       مريم ( 77-78)               

 

    استبشر أبناء الشعب الفلسطيني خيراً بقرار القمة العربية الذي وُصف بالجريء ، حيث قرَّروا كسر الحصار المفروض علينا ، وقد تكشَّف أنه ليس المهم أن يتخذوا قراراً ، إنما أن يضعوه موضع التنفيذ ؛ حتى لا يكونوا ممن يقولون ما لا يفعلون ، وقد كَبُرَ مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون .

    والجدير بالذكر أن قوة القرار من ورائها أسباب ، منها اشتراك الدكتور الزهار في تلك القمة ، ثم في لجنة الصياغة ، مع أن مندوباً لمنظمة التحرير – إذا صح التعبير – جَهد أن يعرقل القرار ، فلمْ يفلح لصلابة وزير الخارجية في الحكومة الفلسطينية – جزاه الله خيراً ، وجزى الذين أساؤوا        بما عملوا - .

    من هنا فقد كان السفر العاجل لرئيس وزرائنا ، حتى يتابع تنفيذ القرار قبل أن يَبْردَ الاستعداد ، أو تظهر اشتراطاتٌ تعرقله ، والأمل قائم في أن يحصل على القسط الأول على الأقل ، بما يكفي لتجفيف دموع المتباكين على الرواتب ، أو المتذرعين بها ؛ لإفساد الحرث والنسل ، وتعطيل الحياة .

    وقد رأيت أن أعرض صفحةً للعرب في جحد الحقوق ، ووضع شروط مؤلمة غير مقبولة على الإطلاق لأدائها ، وذلك بالوقوف على أسباب نزول بعض الآيات ودلالاتها .

    أما آية المقال فقد جاء في الصحيحين أنها نزلت في العاص بن وائل السهمي ، وقد كان لخبَّاب بن الأرتِّ حقوق عليه ، فجاء يتقاضاها ، فاشترط عليه حتى يؤديها إليه أن يكفر بمحمد ، فأجابه خبَّاب : لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث ، يريد بذلك أن تعود إلى الدنيا ، وهذا مستحيل ؛ لأن من مات فقد قامت قيامته ، ولو كان أحدٌ جديراً بالعودة للدنيا لكان الشهداء ؛ إذ هم الذين يتمنون أن يعودوا إلينا ، فيجاهدوا أعداء الله وأعداءكم ؛ حتى يفوزوا بالشهادة عشرات مراتٍ ؛ لما رأوا من كرامة الشهادة ، وعظيم درجاتها .

    وقد أجاب ذلك العاص فقال : وإني لميت ثم مبعوث ؟! ، قال خبَّاب : قلت نعم ، فقال الملحد : إنَّ لي هناك مالاً وولداً فأقضيك ، فأنزل الله هذه الآية ؛ حيث بدأت بالتعجيب بمن يفتئت على الغيب ، فيدعي أن له الحسنى عند ربه ، على فرض الرجوع إليه ، أو كما قال صاحب الجنتين في سورة الكهف : { ..... قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدا ً* وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً } ( الكهف 35-36  ).

    إن السر في هذا الزعم هو قياس الكفرة الفجرة الآخرة على الدنيا ؛ حيث زين لهم الشيطان أن الله ما أعطاكم هذه السعة في الدنيا إلا لرضاه عن صنيعكم ، فأنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلا ، ولو كان خيراً ما سبقوكم إليه ، فهم أَرَاذِلُكُم بَاديَ الرأي ، وهذا إفكٌ قديم ، ما سمعنا به في الملة الآخرة ، ولو سلمنا بالبعث والنشور فإن ما ينتظركم هناك خير مما أوتيتم في الدنيا .

    لذلك فالكفر بآيات الله هو الذي جعل العاص بن وائل يزعم أنه إن بُعث فَلَيُوتَيَنَّ مالاً وولداً يقضي منها ديونه ، وإنْ كلُّ ذلك إلا استهزاءٌ بالإيمان باليوم الآخر ؛ لاعتقادهم أن قصة البشرية أرحامٌ تَدْفَع ، وأرضٌ تبلع ، وما نحن بمبعوثين ولا مُنشرين ، ولن نقوم من قبورنا لرب العالمين .

    وقد كان الردُّ عليه بأحد احتمالين ؛ فإنْ صدق أحدهما ، وإلا كان من الذين يفترون على الله ما لا يعملون ، أما أحدهما فهو السؤال عما إذا كان قد اطلع على الغيب ، ونظر في اللوح المحفوظ ، فعلم أنه قد أوتي  مالاً وولداً ، وأما الآخر فهو أن يكون قد اتخذ عند الرحمن عهداً ، فلن يخلف الله عهده ؛ فإذا كان لا هذا ولا ذاك ، فالصحيح أنهم يقذفون بالغيب من مكن بعيد ، ويقولون على الله ما لا يعلمون ، ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى الإسلام ؛ ليُضلَّ الناس بغير علم .

    إنَّ الذي يعنيني في هذا المقام هو أن العاص بن وائل قد شرط على خبَّاب بن الأرتّ ، إذا أراد أن يحصل على حقوقه أن يعود في ملة قريش ، وأن يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وإلَّا فلا حقوق له عنده ، ولا ينبغي أن يَقْرَبَه .

    وهكذا شأن العرب عندما يتخذون هذا القرآن مهجوراً ، فهم يشترطون علينا ، وعلى عباد الله الصالحين في حكومتنا ، أن تلج في ملِّتهم ، فتعترف بالمبادرة العربية ، وبالشرعية الدولية ، وبمعاهدات الحفنة المتاجرة بفلسطين في منظمة التحرير مع الصهاينة ، والقاسم المشترك في ذلك هو الإقرار بشرعية الاحتلال ، والتوقف عن جميع صور الدفاع عن النفس ، فنقبل أن نكون الضحية أمام صِيال الصهاينة ، ونُسَلِّم أسحلتنا لفريق أوسلو الذي يَبِيت ساهراً على أمن الاحتلال ، أو داعراً في فنادقه وملاهيه .

    ولكنَّ السؤال الذي يطرح نفسه : هل لنا عند العرب حقوق حتى نقيس أنفسنا على خبَّاب بن الأرتّ الذي جاء يطلب ديونه ؟

    إن الجواب يكمن في أن أطماع الصهاينة ليست قاصرة على فلسطين من البحر إلى النهر ، ولا على مصر والشام ، مرورا ً بالعراق والمدينة المنورة ، أي من الفرات إلى النيل ، ولا حتى من المحيط إلى الخليج ؛ بل إن فكرة الشرق الأوسط الكبير تلتهم كثيراً من الأوطان في العالم الإسلامي الذين يلونكم في الوطن العربي ، ومن هنا فإن المقاومة في فلسطين تُشاغل الصهاينة ، وتستنزف قوتهم ، وتجعلهم مهمومين بأمنهم الداخلي ، ولولا ذلك فلربما تمكنوا من تحقيق أحلامهم ، وحالتئذٍ سيتحكمون في الهواء الذي يتنفسه العرب ، أفليس من الواجب عليهم أن يدعموا مقاومتنا ، وأن يدفعوا أضعاف ما صدر عن القمم العربية ، ما دامت نحورنا دون نحورهم ، وما دمنا كَرَدْمِ ذي القرنين الذي حال دون انسياح يأجوج ومأجوج المفسدين في الأرض ، وهل هناك اليوم على وجه الأرض أمةٌ أفسد من يهود ؟!! .

ثم نتساءل : منْ قال إن أموال كلِّ دولة عربية أو إسلامية حِجْرٌ على الأسرة الحاكمة بالتوارث ، أو الحزب الحاكم بالانقلاب العسكري ، أو تزوير الانتخابات !! .

    إن الأصل أن يكون للأمة الإسلامية بيت مال واحد ، تصب فيه كل الموارد ، ثم يُقْسم بين الشعوب بالسوية ؛ كيْ لا يكون دُولةً بين الأغنياء منكم ، وأضعف الإيمان أن يقوموا بإنشاء صندوق في منظمة المؤتمر الإسلامي ، يتكفل بالحياة الكريمة للشعوب ؛ ليصبح المسلمون جميعاً فوق خطِّ الفقر ، مع تخصيص ساحات الجهاد بالدعم الكافي لتحرير العباد ، وتطهير البلاد ، من فرعون ذي الأوتاد ، واليهود الأوغاد .

    إنه من الإنصاف أن نؤكد أن العرب ليسوا على شاكلةٍ واحدة ، فمنهم من بخل واستغنى ، ومنهم من  أعطى قليلاً وأكدى ؛ أي امتنع عن دفع بقية الأقساط ، وقد أخبرتنا سورة النجم عن الوليد بن المغيرة الذي قارب أن يُسلم لمّا سمع شيئا من وعيد سورة فُصِّلت ، فعيَّره بعض المشركين بأنه ترك دين الأشياخ ، وضلَّل الآباء والأجدادأ ، فأجاب أنه يخشى عذاب الله ، فتعهد له أحد المُعيِّرين أن يتحمل عنه عذاب الله إن هو آتاه كذا من المال ، بشرط أن يعود إلى شِرْكه ، فدفع القسط الأول ، وامتنع من الباقي ، وما درى أنه في صحف موسى ، وإبراهيم الذي وفَّى ، ألاَّ تزر وازرةٌ وِزْرَ أخرى ، وأنهم ما هم بحاملين من خطاياهم من شيء ، وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلها لا يُحَْملْ منه شيءٌ ، ولو كان ذا قربى ، فلا يجزي والدٌ عن ولده ، ولا مولودٌ هو جازٍ عن والده شيئا ، وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً ، فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون .

    لذلك ينبغي ألا نُفرِطَ في التفاؤل ، وعلينا أن نَحُلَّ مشكلتنا داخلياً ؛ بأن نلاحق المفسدين لنسترد مئات الملايين من جيوب جيوش الناهبين ، وأن نضبط المعابر حتى نحرر اقتصادنا الداخلي من التهريب المبرمج ، والتهرب الضريبي الذي أنهكنا ، فضلاً عن ابتكار عشراتِ الصناعات الخفيفة ، واستثمار الدفيئات والمحرَّرات بدل أن تظل نهباً للعابثين المسجونين في الأنانية والمصالح الفردية .

 

 

والله المستعان على ما يشترطون

 

  B    

 

 

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .