( ليلة القدر تضع حجر الأساس لِبُنْيان الدين، وتحتضن ميلاد أمة خير المرسلين )

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 796
( ليلة القدر تضع حجر الأساس لِبُنْيان الدين، وتحتضن ميلاد أمة خير المرسلين )

في ظلال رمضان

د. يونس الأسطل

 

( ليلة القدر تضع حجر الأساس لِبُنْيان الدين، وتحتضن ميلاد أمة خير المرسلين )

 

]  حم % وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ % إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ % فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [ الدخان (1-4)

ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يَخُصُّ العشر الأواخر من رمضان بنشاطٍ تعبدي زائدٍ على همته في سائر رمضان، فضلاً عن الشهور الأخرى، فقد كان إذا دخل العشر شَدَّ المئزر، فأحيا ليله، وأيقظ أهله، وكان يعتكفها جميعاً في المسجد، فلا يخرج منه إلا إلى مصلاه صُبْحُ العيد، باستثناء الخروج اليسير لتجديد الوضوء، أو جلب الطعام، ونحو ذلك، فلا يزور مريضاً، ولا يتبع جنازة.

وإذا كان المشركون يعبدون أصناماً، فيظلون لها عاكفين، كما قال بنو إسرائيل في حقِّ العجل الذهبي الذي ابتدعه السامري: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، وهم الذين مَرُّوا بعد مجاوزة البحر على قومٍ يعكفون على أصنامٍ لهم، فتمنوا أن يكونوا مثلهم...

إذا كان الكفرة يتقربون إلى أوثانهم بالاعتكاف فنحن أحقُّ بالاعتكاف لبارئنا الحق، ولو أياماً معدوداتٍ، نجعلها لربنا، ونرصدها لآخرتنا.

وقد وقع الاختيار على العشر الأواخر؛ لأنها ظرف ليلة القدر، تلك الليلة التي بلغ من بركتها، ومن فضل الله علينا فيها أن كانت خيراً من ألف شهرٍ ليس فيها ليلة القدر، بمعنى أن ثواب العبادة يعدل ثواب ثلاثٍ وثمانين سنة وأربعة أشهر، بل يتفوق عليها، هذا إذا كانت الأَلْفُ نَصَّاً لا مزيد عليه، أما لو أخذنا بالتأويل القائل: إن هذا على سبيل المبالغة حسب عادة العرب في الجاهلية؛ فإن الأَلْفَ عندهم لمطلق التكثير، فيكون المعنى: إن ليلة القدر خير في أجرها وثوابها من آلاف الشهور، وقد كان اليهود – ولا يزالون – يَوَدُّ أحدهم لو يُعَمَّرُ ألف سنة؛ أيْ آلاف السنين، وما هو بمزحزحه من العذاب أن يُعَمَّر.

إن السرَّ في هبة هذه الليلة لهذه الأمة خالصةً لها من دون السابقين هو قِصَرُ أعمارنا، وقلة أعمالنا، بالقياس إلى الأمم الغابرة، فلما أشفق نبيُّنا عليه الصلاة والسلام أن يسبقونا بالأجور والدرجات العلا، خاصة وأن بعض رجالهم كان يلبس السلاح ألف شهر جهاداً في سبيل الله، أُعْطِيَ ليلةً، وجعل ربنا الكريم ثواب العبادة فيها خيراً من جهاد الذي سبقونا بالإيمان ألف شهر، وهو يعني أن ذلك الثواب في ليلةٍ واحدة يتفوق على ثواب الطاعات في عُمُر المؤمن كله، فمن ذا الذي يقضي ثلاثة وثمانين عاماً وأربعة أشهر بعد البلوغ في العبادة التي لا تشوبها معصية، ولا يلحق به فيها شيء من الحبوط في العمل؟!!.

وكان من بركاتها أن تتنزل الملائكة وجبريل فيها؛ لتجعل كل أمرٍ سلاماً بإذن ربها، ولِتُؤَمِّنَ على دعاء المؤمنين، فيكون مقبولاً، ولتدلي بشهادتها لنا يوم القيامة عن بَيِّنة.

ولا يفوتنا أن نُذَكِّرَ بما يتنزل فيها من المغفرة والرحمة والبركة، فإن من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، وأفضل دعاء فيها ما جاء من رواية عائشة رضي الله عنها؛ إذْ سألت ما تقول إذا أيقنت بليلة القدر؟، فكان الجواب:"قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني".

وقد أضافت سورة الدخان أنها بداية السنة الوظيفية للملائكة؛ إذْ يُفْرَقُ من اللوح المحفوظ الأقدار التي أَحْكَمَ البارئ جل جلاله وقوعها في العام التالي، وتُدفع إلى الملائكة الموكَّلين بإحداثها في حياتنا، وفي الكون من حولنا، سواء تعلقت بالأرزاق والأمطار، أو بالحروب والصراعات، أو بالحياة والموت، أو غير ذلك.

ولعل جملة هذه البركات هي التي رشحت تلك الليلة لتحتضن نزول القرآن المبارك هدىً للناس، وبينات من الهدى والفرقان، وليكون للعالمين نذيراً، وللمؤمنين شرعة ومنهاجاً، فقد أنزل إليكم الكتاب مفصَّلاً، وجعله تبياناً لكل شيءٍ وهدىً ورحمة وبشرى للمسلمين، فقد شهدت وضع حجر الأساس لهذا الدين، وفيها كان ميلاد خير أمةٍ أخرجت للناس.

وقد يشتاق بعضنا لمعرفة سرِّ تسميتها بليلة القدر، ولذلك أسباب، منها أن القدر هو الشرف والمكانة، ولا شك أنها أفضل ليلة في السنة على الإطلاق، ومن ذلك أنها ليلة الأقدار، ففيها تعرف مقادير العام القادم حين تفصل من اللوح المحفوظ، وتدفع للملائكة.

ولعل أغرب الأسباب أن تكون مشتقة من القدر بمعنى الضيق، فإن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وتندفع الغرابة حين نعلم أن السماء تجود بعدد منهمر من الملائكة، حتى تضيق الأرض بهم لكثرتهم وتزاحمهم؛ ليروا الرُّكَّع السُّجود من بني آدم، وقد قالوا في حقهم يومَ لم نكن شيئاً مذكوراً: "أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ"، لكن الله جل وعلا يباهي بنا الملائكة في هذه الليلة.

وربما رجع التضييق إلى إخفائها في العشر الأواخر، أو في الوتر منها، مما يضطرنا إلى الاجتهاد فيها جميعاً؛ لنضمن إدراكها بفضل الله ورحمته، وقد كان شأنها في الإخفاء كاسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى، وكساعة الإجابة يوم الجمعة، وإخفاء الآجال، وعلم الساعة، وقبول الأعمال، وغير ذلك.

وإذا سأل سائل عن علامات ليلة القدر؟؛ فإن أعظم تلك العلامات أن تصبح الشمس صبيحتها بيضاء لا شعاع لها، ولعل السر في ذلك هو صعود الملائكة في تلك الساعة بما يجعل نور الملائكة يعاكس نور الشمس، فلا تصل إلينا خيوطها المعتادة.

وقد قيل: إن السماء ليلتها تكون صافية كأن بها قمراً منيراً، وأن مصابيح السماء تتوقف عن رجم الشياطين، ولا عجب في ذلك؛ فإن إبليس وجنوده لا يصمدون لرؤية الملائكة، فضلاً عن أن يَصَّعَّدوا في السماء.

ويستحبُّ لمن رأى أمارة ليلة القدر أن يكتمها؛ خشية الرياء، أو رؤية النفس، فتكون العاقبة أن يحرم رؤيَتها مستقبلاً، أو تحسباً من الاتكال والاسترخاء اتكالاً على الكرامة، أو توجساً من الحسد؛ استئناساً بقول يعقوب عليه السلام:"... يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ " يوسف (5).

 

وفي الختام؛ فاللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفُ عنا

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .